معركة حسمها الشعب
جرائم الإرهابية لا تسقط بالتقادم
محمود محرم
دولة المؤسسات v.s دولة المرشد
سعت جماعة الإخوان الإرهابية منذ تأسيسها، للقضاء على مفهوم الدولة الوطنية، حيث كشفت عن نواياها مع 25 يناير 2011 وظهرت بوضوح خلال الفترة التى تولت فيها حكم مصر عن وجهها الحقيقى، فكانت منذ اللحظة الأولى تسعى لتفكيك مؤسسات الدولة لصالح مخططاتها التنظيمية عبر خطة ممنهجة لهدم الدولة من الداخل، وإضعاف مؤسساتها الأساسية، تمهيدًا لإحلال تنظيم مغلق يحكم باسم الدين، وكان أول أهدافها هى وسائل الإعلام، باعتبارها السلاح الأخطر فى تشكيل الوعى العام، فشنت حملات تشويه ممنهجة ضد الإعلام الوطنى، ووصمت كل صوت نقدى بأنه «مؤامرة»، فى محاولة لإسكات الحقيقة وتطويع الرأى العام، وفى الوقت نفسه عملت على خلق منصات دعائية بديلة تكرر خطابا واحدا لا يحتمل الاختلاف، فى سلوك يعكس عقلية إقصائية لا تعترف بحرية الرأى أو التعدد.
ومع اصطدام التنظيم، برفض شعبى واسع، تحولت لاستهداف القضاء والمؤسسات الدستورية، بعدما أصبحت أحكامها عائقًا أمام مخططاتها، وجاء حصار المحكمة الدستورية العليا ذروة هذا المسار العدائى، فى مشهد يثبت بوضوح أن الجماعة لا تحترم دولة القانون، وأنها مستعدة لاستخدام الشارع كأداة ضغط وابتزاز ضد أعلى مؤسسة دستورية فى البلاد، ثم جاءت 30 يونيو كفاصل تاريخى، إذ استردت الدولة زمام المبادرة وبدأت فى إعادة بناء مؤسساتها، وبخطوات حاسمة، أعادت الدولة المصرية بناء مؤسساتها واستعادة قوتها باستقلال القضاء، وتطهير المشهد الإعلامى من خطاب التحريض، وتعزيز دور المؤسسات الدستورية فى ضبط الحياة العامة، لتؤكد أن الدولة القوية وحدها قادرة على حماية الوطن من مخططات التفكيك.
من جانبه، قال طارق أبو السعد الخبير فى شئون الحركات الإسلامية: إن جماعة الإخوان تأسست فى جوهرها ككيان معادٍ لمفهوم الدولة الحديثة ومؤسساتها، وأن مشروعها الفكرى والعملى يقوم على تشويه مفاهيم الدولة الوطنية الحديثة، وإقناع المجتمعات العربية والإسلامية بوجود «خطأ عقائدى» فى وجود مؤسسات قضائية أو شرطية أو عسكرية أو تعليمية، وبدلا من ذلك تدعو إلى هدمها بالكامل ثم إعادة بنائها على أسس قديمة لا تتوافق مع متطلبات العصر.
وتابع: «الجماعة لم تدرك – أو رفضت إدراك – أن عملية الهدم ليست فى صالح الدولة أو الشعب، بل هى فى صالح قوى تسعى لإضعاف الدولة الوطنية، سواء كانت تلك القوى غربية أو حتى دولة الاحتلال الإسرائيلى، وما لم يفهمه الإخوان هو أن الدولة لا تبنى من خلال هدم مؤسساتها، وأن هذا الهدم يضعف الدولة ويجعلها عرضة للانهيار والاحتلال والفقر والجهل والمرض».
واستطرد: «التاريخ يقدم نموذجًا صارخًا على فشل هذا المنهج، فالجماعات التى اعتمدت على هدم الدولة لم تتحول لدول قوية، بل سقطت فى براثن الضعف، وحينما طبقت «القاعدة» هذا النموذج فى أفغانستان لم تتحول الدولة إلى كيان قوى، وكذلك فى السودان وسوريا، إذ لم تُنتج تلك التجارب إلا مزيدا من التمزق والانهيار، ما يثبت أن «المنهج الإخوانى» ليس مجرد خطأ فكرى، بل هو «جريمة» فى حق الوطن»، مضيفًا: «عندما ندقق النظر فى إجراءات الإخوان فى مصر عقب وصولهم إلى الحكم، نجد سلسلة من الخطوات المتكررة التى تهدف إلى تفكيك الدولة من الداخل، فقد حاولوا إسقاط المحكمة الدستورية، وعرقلة عمل القضاء من خلال الإعلان الدستورى المكمل، ومحاولة إنشاء قوة تنفيذية أمنية موازية، وهى خطوات كانت ستؤدى إلى انهيار الدولة المصرية».
وشدد «أبوالسعد»، على أن المؤسسة العسكرية كانت المؤسسة الوحيدة المتماسكة التى فهمت المؤامرة مبكرًا، لكنها اختارت سلامة الوطن والشعب المصرى، فتصرفت بحكمة وعزيمة، وساندت إرادة الشعب الذى أدرك أن ما يقوم به الإخوان ليس تجديدًا أو إصلاحًا، بل تفكيكًا للدولة.
وأشار هشام النجار، الباحث فى شئون الحركات الإسلامية، إلى أن ما شهدته مصر خلال فترة صعود جماعة الإخوان إلى السلطة كان جزءًا من مخطط أوسع يهدف إلى هدم مؤسسات الدولة وإضعافها، وفى مقدمتها مؤسسة الجيش المصرى باعتبارها العمود الفقرى للأمن القومى واستقرار الدولة، وكانت جماعة الإخوان الرقم الأهم والأبرز كأداة لتحقيق هذا الهدف المبدئى، ضمن مخطط شامل لإعادة هندسة المنطقة وإعادة توزيع نفوذها وثرواتها لصالح فاعلين دوليين وإقليميين، ورغم عدم وضوح صورة المخطط لكثيرين فى البداية، فإن المؤسسات الأمنية والعسكرية كانت تقرأه بدقة وبدأت الحقيقة تتضح للعموم بعد صعود الجماعة للسلطة ومحاولاتها المتكررة لأخونة مؤسسات الدولة وقلب هويتها، والتدخل فى شئون الجيش والسعى لإضعافه عبر البرلمان الذى سيطر عليه التيار «الإخوانى – السلفى».
ولفت الباحث فى شئون الحركات الاسلامية، إلى أن هدم مؤسسات الدولة اتخذ عدة مسارات، كان من أبرزها الإعلام وحصار المحكمة الدستورية واستهداف القضاء، حيث سعت لتوظيف الإعلام لإعادة تشكيل الوعى العام وترويج روايات مزيفة وتفتيت الوحدة الوطنية، ونشر خطاب الكراهية والتحريض، وخلق حالة من التشكيك فى الدولة ومؤسساتها، وتوجيه الرأى العام نحو الاستقطاب والانقسام، متابعًا: «أما محاولات الجماعة لاستهداف المحكمة الدستورية فكانت محاولة لتفكيك أحد أهم ضمانات الدولة المدنية، عبر تعطيل الدستور وإضعاف سلطة الرقابة القضائية على التشريعات، فضلًا عن أن الجماعة حاولت اختراق القضاء وفرض إرادتها على المؤسسات القضائية عبر تسييس القضاء وإشاعة الفوضى القانونية، بهدف إلغاء أى حصانة دستورية أو قانونية لأى جهة رقابية أو قاضٍ يمكن أن يوقف مسار الانهيار المؤسسى».
واختتم حديثه قائلًا: «الشعب المصرى لم يكتف بالرفض السياسى، بل انتفض لإنقاذ الدولة من الانهيار، لأن الخطر ارتفع عندما وصلت الأمور إلى محاولة التدخل فى شئون الجيش وإضعافه»، مشيرًا إلى أنه بعد 30 يونيو، بدأت مصر فى استعادة قوتها وإعادة بناء مؤسساتها على أسس وطنية صلبة، من خلال إعادة هيكلة مؤسسات الدولة، واستعادة استقلالية القضاء، وإصلاح الإعلام، وتعزيز دور المؤسسات الأمنية والعسكرية فى حماية الدولة، وترسيخ مفهوم الدولة المدنية القائمة على سيادة القانون، إذ أثبتت مصر بعد 30 يونيو أنها دولة قادرة على مواجهة مخططات تفكيك الدولة، وأن المسار الذى اتخذته كان مسار الحفاظ على الدولة وصون هويتها، وليس مجرد صراع سياسى عابر.
بينما أكد طارق البشبيشى، الباحث فى شئون الحركات الإسلامية، أن محاولة جماعة الإخوان هدم مؤسسات الدولة المصرية بعد أحداث 25 يناير كانت جزءا من خطة ممنهجة لاستهداف «أعمدة الدولة» وتفكيكها من الداخل، تمهيدا لفرض السيطرة على مفاصل الدولة وتحويلها إلى أداة لتحقيق أهداف خارجية لا تتوافق مع مصالح مصر وشعبها، مشيرًا إلى أن الجماعة لم تكتفِ بمحاولة اختراق الأجهزة الأمنية، بل سعت بشكل واضح لهدم القضاء والإعلام، عبر محاولات حصار المحكمة الدستورية، وإرهاب القضاة، ومهاجمة المؤسسات الإعلامية وإسكات الأصوات الوطنية التى تكشف عن تطرفهم وخيانتهم لمصر.
وأوضح أن الإخوان لم يترددوا فى استهداف المؤسسة العسكرية ومحاولة اقتحام وزارة الدفاع، فضلًا عن محاولة اقتحام وزارة الداخلية، فى محاولة لإضعاف الجهازين الأساسيين لضمان أمن الدولة، لافتًا إلى أن هذا السلوك ليس «خطأً عابرًا»، بل هو جوهر وظيفة الجماعة فى هذا التوقيت، لأن هدم أى دولة يمر عبر هدم مؤسساتها الرئيسية، وهذا ما كانت تسعى إليه جماعة الإخوان، كأداة وظيفية لتحقيق أهداف موجهة ضد مصر.
وأوضح، أن ما حدث فى 30 يونيو كان رد فعل طبيعى لشعب يمتلك تاريخًا طويلًا من المقاومة أمام مخاطر الوجود، وأن التحرك الشعبى كان لحظة فارقة فى تاريخ مصر، عندما شعر المصريون بالخطر على جغرافيا الوطن وتاريخه وهويته، خرجوا بالملايين بصورة غير مسبوقة لإسقاط العصابة التى كانت تحاول تسليم الوطن لمشاريع خبيثة، واصفًا 30 يونيو بأنها «قيمة تاريخية» فى مسيرة مصر، لأنها مثلت استعادة الدولة لقوتها ومؤسساتها، واستعادة الشعب لسيادته على وطنه، بعدما كانت البلاد على حافة الانهيار بفعل مخطط استهداف مؤسسات الدولة من الداخل.






