قطاع البترول.. من دولة على حافة الظلام بعد يناير 2011 إلى لاعب يحكم خريطة الطاقة
سلوى عثمان
لم تكن أزمة الطاقة فى مصر نتاج نقص موارد بقدر ما كانت انعكاسًا مباشرًا لسنوات اضطراب أصابت شريان الدولة الحيوى. فبين عامى 2011 و2014، تعرّض قطاعا البترول والكهرباء لهزات عنيفة، شملت استهدافًا متكررًا للبنية التحتية، وتوقفًا للمشروعات الكبرى، وتراكم مديونيات تجاوزت 6 مليارات دولار لصالح الشركاء الأجانب، لتتحول تأمينات الوقود والكهرباء من خدمة أساسية إلى معاناة يومية للمواطن.
لكن المشهد تغيّر جذريًا لاحقًا. فالدولة لم تكتفِ بترميم ما تهدّم، بل أعادت بناء القطاع من جديد، محوّلة العجز إلى فائض، والتهديد إلى فرصة استراتيجية، لتنتقل من دولة تبحث عن تأمين احتياجاتها إلى لاعب إقليمى فى تجارة وتداول الطاقة بشرق المتوسط.
إعادة ضبط البوصلة
ارتكزت خطة وزارة البترول على تسريع أعمال الإنتاج والاستكشاف، وتعظيم قدرات التكرير، وعلى رأسها توسعات مصفاة «ميدور»، إلى جانب التوسع فى توصيل الغاز الطبيعى للمنازل واستخدامه كوقود للسيارات، بما يخفف أعباء الاستيراد ويقلص دعم أسطوانات البوتاجاز، كما أُطلقت البوابة الإلكترونية للثروة المعدنية، وجرى طرح فرص استثمارية جاذبة فى قطاع التعدين، مع تهيئة بيئة أكثر جذبًا للاستثمارات المحلية والعالمية.
وفى قطاع البتروكيماويات، بلغ إجمالى إنتاج 9 شركات قائمة نحو 4 ملايين طن خلال العام المالى 2023–2024، محققًا 105% من الخطة المستهدفة، بينما بلغت قيمة المبيعات 37 مليار جنيه للسوق المحلية والتصدير، مع تنفيذ 9 مشروعات جديدة يُنتظر أن تضيف نحو 6 ملايين طن من المنتجات.
الغاز.. من العجز إلى العالمية
وأظهرت دراسة للمركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية أن الدولة بدأت جنى ثمار التحول، بعد أن أعادت ضخ الغاز الطبيعى كرافد استراتيجى، ما أسهم فى تغيير سياسة مصر من مستورد للطاقة إلى منتج ومصدر.
وأوضحت الدراسة أن الفترة من 2011 إلى 2014 شهدت نقصًا حادًا فى الغاز، بالتزامن مع بلوغ الاستهلاك ذروته عند نحو 5.09 مليار قدم مكعب يوميًا عام 2012، فى ظل توقف التعاقدات الجديدة للاستكشاف، ما أدى إلى فقدان مصر مكانتها التصديرية مؤقتًا. غير أن الاكتشافات الكبرى بين 2014 و2023، وعلى رأسها حقل «ظُهر»، أعادت رسم خريطة الطاقة المصرية، لتعود البلاد إلى سوق الغاز العالمية، محتلة المرتبة الثانية عربيًا والخامسة عالميًا فى تصدير الغاز المسال إلى أوروبا حتى 2023.
أمن قومى لا يحتمل التراخى
تؤكد الدراسة أن ملف الطاقة بات ركيزة للأمن القومى، فى ظل تحديين رئيسيين: تصاعد الطلب المحلى وتذبذب الأسعار عالميًا. ويُعد الغاز الطبيعى العمود الفقرى لمنظومة الطاقة، إذ مثّل فى 2024 نحو 51% من إجمالى الطاقة الأولية، وساهم فى توليد 76.8% من الكهرباء.
ولمواجهة الضغوط، تبنّت الدولة حزمة حوافز جديدة لتشجيع زيادة إنتاج النفط والغاز، وطرحت مزايدات استكشافية، مع توظيف التكنولوجيا المتقدمة لتعظيم الإنتاج وتقليل الفجوة الاستيرادية، بما يخفف الأعباء عن الموازنة العامة.
التعدين.. الثروة المؤجلة
يحظى محور تنمية الثروات المعدنية باهتمام متزايد، بهدف رفع مساهمته فى الناتج القومى من 1% إلى ما بين 5 و6%. وفى هذا السياق، يشير الدكتور عمر طعيمة، رئيس هيئة الثروة المعدنية الأسبق، إلى أن إصدار قانون الثروة المعدنية الجديد، وتنفيذ مزايدات عالمية ومحلية للذهب والخامات الأخرى، أسهما فى جذب استثمارات جديدة، وتوفير فرص عمل، وزيادة القيمة المضافة للموارد الطبيعية، فضلًا عن التصدى لظاهرة التعدين العشوائى.
من الإنقاذ إلى الريادة
بدأ مسار الإصلاح من نقطة شديدة القسوة، لكنه ارتكز على استعادة ثقة الشركاء الأجانب عبر سداد المستحقات المتراكمة، ما أعاد شركات كبرى مثل «إيني» و«بى بى» و«شل» إلى المشهد. وكان القرار السياسى بوضع الطاقة فى صدارة الأولويات هو المحرك الأساسى.
ومع الاكتفاء الذاتى من الغاز فى 2018، وتدشين محطات كهرباء عملاقة وتطوير الشبكات، انتقلت مصر من ظلام الانقطاعات إلى فائض التصدير. واليوم، تتجه بخطى ثابتة لتكون مركزًا إقليميًا للطاقة، مستندة إلى منتدى غاز شرق المتوسط، ومحطات إسالة إدكو ودمياط، ليغدو قطاع البترول ذراعًا اقتصادية وسياسية فاعلة فى الإقليم.






