د.عزة بدر
نكهة خاصة لها رنين
أصبح الذكاء الاصطناعى موضوعًا للعديد من الروايات، ويشغل التفكير الإبداعى لدى جيل جديد من الكُتاب.
ومن الروايات التى تناولت تأثير الذكاء الاصطناعى على أبطالها رواية «الآلية التى تشبهنى» للكاتبة أمينة الزغبى، وقد صدرت الرواية حديثًا عن دار النخبة.
وتُصوِّر الساردة كيف دخلت «صوفيا» الآلية حياة «جاسر»، وحبيبته «صوفيا»، والمفاجأة أن «جاسر» هو الذى صنعها لتتمتع بالذكاء الاصطناعى وبوجه حبيبته وملامحها بطريقة «الهولوجرام»، فلقد كان يشتاق إلى حبيبته الحقيقية لكنها كانت تشفق من فشل حبهما بعدما تأثرت بحكايات زميلاتها فى الدراسة عن إخفاق العلاقات العاطفية وخاصة الحب الأول.
وعندما اشترطت «صوفيا» على «جاسر» أن تكون العصمة بيدها حتى تتجنب ما تخشاه من سيطرة الرجل - كما ترى - على المرأة فى علاقة الزواج، رفض والداه أن يتمم الارتباط بصوفيا فاندفع بخيالاته، وأحاديثه إلى صوفيا الآلية التى صنعها بيديه، ولم تستطع خطيبته «جميلة» أن تثنيه عن عالم «صوفيا» الإنسية لا الآلية، وتضعنا أمينة الزغبى أمام عالم «جاسر» المغلق الذى انطوى على تعلقه بتفاصيل الروبوت النسائى الذى صنعه ليعيش مع صورة حبيبته, ثم تنتقل إلى تأثير هذا الروبوت على حياة «صوفيا» التى تسميها قرينتها المعدنية، وتتوهج عاطفة «صوفيا» بالغضب من قرينتها التى لا تستطيع منها فكاكًا!، مبرزة قوة وقدرة هذه الآلة على الاستلاب، والتنصت بل تضفى الساردة على المرأة المعدنية صفات: الغيرة، والمشاكسة، وتشعل الحوارالصاخب بينها وبين غريمتها الإنسية، ويعكس الحوار بينهما هذه المشاعر، كما تعكس الصراع بين الآلة المُبرمجة والبشر فى نموذج الحوار بين «صوفيا» وغريمتها المعدنية التى تصارحها قائلة:
«لقد أحبك «جاسر» أكثر من أى شىء فى حياته، بكى، تألم، تقلّب فى فراشه على الجمر، ولم يهدأ له بال إلا حينما صمم هذه الآلية التى تحدثك الآن! بنفس ملامح وجهك، وطبيعة جسدك وملابسك، ألا تلاحظين ذلك؟.. يا للغباء!»، ويتطور الحوار الغاضب ليصنع موقفًا متأزمًا يدفع بالحيوية إلى تطورأحداث الرواية، فتقرر «صوفيا» أن تمحو الفيديو الذى ظهرت فيه غريمتها المعدنية لكن الأخيرة تفاجئها بأنها بمجرد فتحها لذاك الفيديو الذى ظهرت فيه تكون قد سكنت جهازها بل سكنت روحها إلى الأبد..
ومن خلال حوار ساخر تنتقل المرأة المعدنية من الفضاء الأزرق ومن على سطح المكتب إلى المقاعد، وقطع الأثاث، وتتحرك بحرية بل تغنى، وتهتز رأسها طربًا وتتجسد بطريقة الهولوجرام، ونكاد نسمع صوتها: «الشوق الشوق.. ليه بس يا قلبى تبص لفوق.. الشوق حيرنى..».
وهنا تحاول «صوفيا» أن تكلمها وتنذرها بأنها ستصل إلى برنامج أقوى منها كى تمحو وجودها من حياتها.
لكنها وحدها لم تستطع، لتعود بنا الساردة إلى علاقة الحب الأول، ربما لتجمع شمل الحبيبين، وفى تعاون بين «صوفيا» وحبيبها «جاسر» يستطيعان تعطيل روبوت جديد «فيتشر» عن سرقة ملف الجد فنجح «جاسر» فى إيقاف تشغيل الروبوت ليدمر المكونات الأساسية التى يُمكن أن تُعيده للتشغيل بالكامل، وتُمسك الساردة بخيوط السرد الشائقة لتجعل فكرة نقل جزء صغيرمن ذكريات «فيتشر» إلى روبوت جديد أكثر تطورًا، تصبح فكرة ممكنة فيتصاعد الخطر، ويدور الصراع بين مجموعات سرية تبدأ فى نقل بيانات «فيتشر» التى تم محوها إلى روبوت جديد.
ويتواصل الصراع بين «جاسر» و«صوفيا» من جانب، والروبوتات المعدنية من جانب آخر، ويزداد الأمر تعقيدًا عندما يتمتع بعض الروبوتات بالتفكير المستقل، والقدرة على التعلم الذاتى، خاصة «فيتشر» الذى حاول التواصل مع «صوفيا» بأسئلة فلسفية حول الحياة والمستقبل.. يحمل الحوار فى هذه الرواية نكهة خاصة لها رنين الغضب البشرى وطعم الغضب الآلى المعدنى بكلمات دالة على عمق الصراع بين الإنسان والآلة، حتى ولو كان هو الذى قام ببرمجتها، فتقول «صوفيا» لغريمتها المعدنية: «أنصنع بأيدينا ما يُفنينا؟».
فتقول الآلية التى تشبهها: «سوف يأتى يوم ونحكم فيه العالم، لكننا سنسمح لأصدقائنا اللطفاء فقط أن يكونوا آمنين فى عالمنا داخل حديقة خاصة بهم»، فتثور «صوفيا» عليها لكن غريمتها المعدنية تُذكرها بأن البشر كائنات فانية لا محالة، أما هم فعالم من الكائنات التى لا تفنى!
لكن الرواية تنجح فى تصوير انتصار الإنسان على الآلة، على الكائنات التى لا تفنى، فقام «جاسر» بتطوير وتغيير برمجة «صوفيا» الآلية لتكون أول مقتنياتهما هو و«صوفيا» الحقيقية فى بيتهما المستقبلى.
..وربما هى الآن تعد لهما القهوة وبعض الفطائر، وسيكون عليها أن تغسل المزيد من الأكواب والفناجين والصحون، وهى تغنى: «الشوق.. الشوق.. حيرنى.. ليه بس يا قلبى.. تبص لفوق؟!».






