الخميس 22 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الإنذار الصينى الصامت لأمريكا

الإنذار الصينى الصامت لأمريكا

إيران لا تخشى الضربة المحدودة وأمريكا لا تملك الضربة القاتلة



ما نراه اليوم ليس تصعيدًا عسكريًا تقليديًا ولا سباقًا نحو الحرب بين أمريكا وإيران كما يظن بعض الناس، بل محاولة وصول الجميع إلى حافة اتخاذ القرار دون امتلاك القدرة على امتلاك الموقف نفسه من القرار، والمقصود بالقرار هو الحرب، أمريكا اليوم أو الموقف الأمريكى حتى هذه اللحظة ليس فى موقف قوة مطلقة، بل فى مرحلة عدم التوازن بين قرار ضرب إيران أو تأجيل هذا القرار، وهو ما يهز هيبة البيت الأبيض، وترجع مرحلة عدم التوازن بين الضرب وعدم الضرب هى عدم امتلاك ما بعد عملية الضرب، والمفارقة الأخطر كلما اقتربت واشنطن من اتخاذ قرار الضرب اكتشفت أن الضربة ليست حلًا، فى نفس الوقت إيران لم تعد تخشى الضربة الأمريكية، وإسرائيل أدركت أن الحرب المفتوحة مع إيران تساوى عدم وجودها على الأرض، ودول الخليج تعرف أيضًا أنها لا تستطيع تحمل نتائج ضرب إيران وهنا اكتشف الجميع، أمريكا- إسرائيل- دول الخليج أنهم جميعًا متضررون من الحرب على إيران، والسؤال المطروح الآن هل تستطيع أمريكا تحمل عالم ما بعد إيران؟ فإسقاط النظام الإيرانى سيتسبب فى فوضى إقليمية، ورد إيران سيكون شرسًا بلا خطوط حمراء، يشمل القواعد الأمريكية وآبار البترول، إيران بدورها لا يستطيع اقتصادها أن يسمح لها بالصبر على أى ضربة أمريكية وهذا هو ما يشّكل ما يسمى بحرب التصريحات النارية التى يعقبها تراجع من الطرفين أمريكا وإيران، ويطلق الخبراء على حرب التصريحات مرحلة الشلل، حيث القوة موجودة لكن القرار مفقود ومن يخطئ الحساب هذه المرة لن تتاح له فرصة أخرى، ومن هنا تشتد وتتفاعل حرب التصريحات، والجديد فيها هو مهاجمة المرشد الأعلى خامنئى والتلويح بتكرار عملية فنزويلا معه، ليرد الرئيس الإيرانى على هذه التصريحات بأن التعرض للمرشد الأعلى هو حرب شاملة ضد الشعب الإيرانى، ما نصفه بحرب التصريحات بين ترامب وإيران أدى على عكس ما توقع الأمريكان إلى تهدئة شاملة للاحتجاجات فى إيران والتفاف القيادات الإيرانية حول بعضها، وتوحى تصريحات ترامب حول تغيير القيادة الإيرانية إلى تغيير فى السياسات الأمريكية من ضرب إيران إلى محاولة تغيير النظام والبحث عن قيادة جديدة وهذا الأمر ليس هيّنًا كما جرى فى فنزويلا، إضافة إلى ذلك أن تقديرات المؤسسات الأمريكية لحجم الخطر الذى تمثله إيران لا يوازى المخاطر والتكلفة الباهظة المترتبة على ضرب إيران بخلاف الضغوط المؤثرة التى مارستها مصر والسعودية والإمارات وقطر، حيث إن هذه الدول لعبت دورًا مهمًا فى التهدئة ما بين إيران وأمريكا خصوصًا فيما يترتب عليه من ضرب إيران وما يؤدى إلى حالة من الفوضى الإقليمية التى يصعب التنبؤ بنتائجها بخلاف توقف تصدير البترول الذى تعتمد عليه الصين بشكل خاص، وإذا تم ضرب آبار البترول من جانب إيران يعد هذا بمثابة تضييق فعلى على الصين والتى لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدى أمام هذا الموقف ولن نذهب بعيدًا عمّا جرى أثناء الاحتجاجات العنيفة التى جرت فى إيران، وقطع النت على المتظاهرين فى كل أنحاء إيران وقيام أمريكا بمد المتظاهرين بالنت حتى تقوم بالتحريض، وأيضًا إجراء اتصالات بين المتظاهرين وبعضهم ونقل الصورة من داخل إيران إلى جميع أجهزة المخابرات والقنوات الفضائية، المفاجأة أن الصين بوسائلها التكنولوجية الحديثة والمتقدمة استطاعت أن تمنع عن إيران النت الأمريكى وهذه التكنولوجيا الحديثة التى نجحت فى الصين بحماية إيران من النت ـ التحريض الأمريكىـ كانت هى بمثابة إنذار صينى لأمريكا أنها ستتدخل لحماية إيران فى حالة ضربها، إضافة إلى ذلك زودت الصين إيران فى وقت وجيز بأنظمة دفاع متطورة لحماية الأجواء الإيرانية، كما جرى العام الماضى فى الحرب الباكستانية الهندية واستطاعت أنظمة الدفاع التى زودت بها الصين باكستان من اصطياد الطائرات الهندية، وفى المجمل العام لم يكن أمام أمريكا إلا أنها تتراجع عن ضرب إيران طبقًا لتقارير المؤسسات الأمريكية فى المقام الأول باعتبار أن المخاطر والخسائر أكثر من فوائد ضرب أمريكا لإيران، وأيضًا الضغوط الخليجية والمصرية بأن ضرب إيران سيؤدى إلى فوضى إقليمية كبيرة والأهم من كل ذلك هو الإنذار الصامت الذى قامت به الصين بقطع النت الأمريكى عن إيران باستخدام التكنولوجيا المتقدمة التى فوجئت بها أمريكا واضطرارها إلى إعادة حساباتها ولا نستبعد أن تتم تفاهمات غير معلنة بين ترامب وإيران فى الأيام القادمة تتضمن تأجيل أو إلغاء البرنامج النووى الإيرانى أو برنامج الصواريخ مقابل رفع العقوبات الأمريكية والغربية عن إيران لتبدأ مرحلة جديدة فى الخليج والشرق الأوسط.

والدرس المستفاد فى كل هذه الأجواء أن الصين لن تسمح لأمريكا بتعطيل تقدمها الاقتصادى والعسكرى والتكنولوجى والبترول الإيرانى ورخص سعره هو عصب الاقتصاد الصينى الذى لا يمكن التنازل عنه.