محمود الروبى
الذكاء الاصطناعى والتزييف العميق (2-2)
يُعدّ التزييف العميق Deepfake واحدًا من أخطر ما أفرزه الذكاء الاصطناعى فى العصر الحديث لأنه يضرب فى صميم ما كان يُعدّ يومًا دليلًا قاطعًا على الحقيقة الصورة والصوت، فبفضل تقنيات التعلّم العميق أصبح من الممكن إنتاج مقاطع فيديو وتسجيلات صوتية شديدة الواقعية لدرجة أن الشخص العادى لا يستطيع التفرقة بينها وبين المحتوى الحقيقى حتى لو شاهدها أكثر من مرة.
ببساطة التزييف العميق يعنى أن ترى شخصًا يقول أو يفعل شيئًا لم يقله، ولم يفعله إطلاقاً لكن بعينيك وأذنيك وبجودة تخدع العقل قبل الحواس، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
فخطر التزييف العميق لا يقتصر على كونه خدعة تقنية بل فى سرعته الهائلة على الانتشار وتأثيره المباشر على الرأى العام، مقطع فيديو مزيف واحد يُنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعى قد يشعل أزمة سياسية أو يدمر سمعة شخصية عامة أو يُربك الأسواق المالية قبل أن تتمكن أى جهة من نفيه أو تصحيحه، وفى عالم تتحرك فيه الأخبار أسرع من الحقيقة يصبح الضرر واقعًا حتى لو تم كشف الزيف لاحقًا.
لم يعد الأمر مقتصرًا على مقاطع الفيديو فحسب فالغش الصوتى وتقليد الأصوات والتقمص الرقمى للشخصيات عبر مولدات الذكاء الاصطناعى أصبح وسيلة شائعة للاحتيال المالى والمعلوماتى مدير شركة قد يتلقى مكالمة بصوت رئيسه يطلب تحويل أموال أو مسئول، قد يسمع تعليمات بصوت يبدو مألوفًا لكنها فى الحقيقة صادرة عن خوارزمية لا أكثر.
105 آلاف هجوم قائم على تقليد الصوت أو الصورة فى الولايات المتحدة سُجّل خلال العام الماضى، وأسفرت هذه الهجمات عن خسائر مالية تجاوزت مليون دولار فى الربع الأول من عام 2025 فلم يعد مجرد تهديد معنوى أو إعلامى بل خطرًا اقتصاديًا وأمنيًا مباشرًا.
الأخطر من ذلك أن التزييف العميق أصبح سلاحًا فى الحرب النفسية والإعلامية يُستخدم لهدم الثقة وبث الشك وإرباك المجتمعات، ومع تكرار هذه الهجمات يبدأ المواطن فى التشكيك فى كل ما يراه أو يسمعه، وهنا تتحقق أخطر نتائج التزييف العميق وهى ضياع الحقيقة.
أن الحروب السيبرانية والتزييف العميق وتأمين البيانات ليست قضايا نخبوية بل ملفات تمس حياة الناس بشكل مباشر الذكاء الاصطناعى بسيفه ذى الحدين قادر على أن يكون أداة للتقدم أو وسيلة للهدم، والسؤال الذى يظل مطروحًا بإلحاح هل نتحرك اليوم لنحصن عقولنا وبياناتنا وتشريعاتنا أم ننتظر حتى نجد أنفسنا فى قلب حرب رقمية لا نملك أدوات مواجهتها؟.









