د.إبراهيم درويش
القطن المصرى.. الذهب الأبيض يعاود البريق إذا تضافرت الجهود
لم يكن القطن المصرى يومًا مجرد محصول صيفى ضمن خريطة الزراعة المصرية، بل كان ولا يزال أحد أعمدة القوة الاقتصادية للدولة، ورمزًا عالميًا للجودة الفائقة، وعنوانًا للتميز الذى ارتبط باسم مصر فى كبرى أسواق الغزل والنسيج العالمية. وعلى مدار عقود طويلة، شكّل هذا «الذهب الأبيض» ركيزة أساسية للدخل الزراعي، ومحركًا رئيسيًا للصناعة الوطنية، ومصدرًا مهمًا للنقد الأجنبي.
واليوم، يقف القطن المصرى عند لحظة فاصلة من تاريخه الحديث، لحظة لا تحتمل التردد ولا تستدعى الحنين، بل تفرض التعامل بعقلية الدولة الحديثة التى تُخطط، وتستثمر، وتُحسن الإدارة، وتربط بين الزراعة والصناعة والتجارة فى منظومة واحدة.
السؤال المطروح لم يعد: هل كان القطن المصرى عظيمًا؟
بل أصبح: هل نستطيع أن نعيده إلى عرشه بعلم واقتصاد وإدارة رشيدة؟
تشير المعطيات الواقعية إلى أن عام 2026 يمكن أن يكون عام الانطلاقة الحقيقية للقطن المصري، إذا تضافرت الجهود، والتقت السياسات الزراعية مع الرؤية الصناعية والتسويقية، وتم التعامل مع القطن باعتباره محصولًا اقتصاديًا صناعيًا نقديًا، لا مجرد محصول تقليدي.
أولًا: القطن المصرى... محصول استراتيجى متعدد الأبعاد
تكمن قوة القطن المصرى فى كونه محصولًا ذا أبعاد متداخلة، لا يمكن التعامل معه بمعزل عن منظومة الاقتصاد الكلى:
-1 البعد الاقتصادى
يمثل القطن مصدر دخل مباشر لعشرات الآلاف من المزارعين فى الوجهين البحرى والقبلي، كما يُعد المدخل الأساسى لصناعة الغزل والنسيج التى تشغّل ملايين العمال بصورة مباشرة وغير مباشرة. ويتميز القطن المصري، خاصة طويل وفائق الطول، بقدرة عالية على تحقيق قيمة مضافة مرتفعة مقارنة بالأقطان قصيرة التيلة منخفضة السعر، ما يجعله محصولًا نقديًا بامتياز.
-2 البعد الزراعى
يُعد القطن محصولًا محوريًا فى الدورة الزراعية الصيفية، حيث يساهم فى تحسين خصوبة التربة، وكسر دورات الآفات، وتقليل الضغط الحشائشي، شريطة الالتزام بالتوصيات الفنية السليمة. كما يمثل القطن مدرسة حقيقية للزراعة المنضبطة القائمة على التوقيت الدقيق فى الزراعة، والتسميد، والري، والمكافحة.
-3 البعد الصناعى
لا تقتصر قيمة القطن على الشعرة المستخدمة فى صناعة المنسوجات، بل تمتد إلى بذرة القطن التى تدخل فى إنتاج زيوت الطعام وكسب الأعلاف، وهو ما يعزز مفهوم الاستغلال الكامل للمحصول، ويجعل القطن حلقة محورية فى الصناعات الغذائية والعلفية بجانب النسيج.
ثانيًا: الأرقام... حين تتكلم الحقائق
لغة الأرقام تكشف بوضوح أن القطن المصرى لم يفقد قدرته الإنتاجية، بل كان ينتظر فقط بيئة تنظيمية وتسويقية أكثر استقرارًا:
المساحة المنزرعة: فقد ارتفعت لتصل إلى نحو 255 ألف فدان فى موسم 2023/2024، مقارنة بـ 216.6 ألف فدان قبل سبع سنوات، فى مؤشر واضح على عودة الثقة التدريجية لدى المزارعين.
الإنتاج الكلي: لقد بلغ الإنتاج حوالى 1.8 مليون قنطار، بزيادة تُقدّر بنحو 28.6%، وهو ما يؤكد أن القدرات الإنتاجية ما زالت قوية وقابلة للتعظيم.
إنتاجية الفدان: فقد بلغت 7–8 قناطير فى الحقول التقليدية
9–11 قنطارًا فى الحقول الإرشادية كما تجاوزت 12 قنطارًا فى بعض الحقول المتميزة الملتزمة فنيًا. وهى أرقام تؤكد أن الإدارة الفنية الجيدة هى الفيصل الحقيقي.
الطلب المحلي: كما قفز الاستهلاك المحلى إلى نحو 750 ألف بالة فى موسم 2024/2025، وهو أعلى مستوى خلال 14 عامًا، بما يعكس انتعاش صناعة الغزل والنسيج.
الواردات:من المتوقع وصول الواردات إلى 675 ألف بالة لتغطية الفجوة بين الإنتاج والطلب، وهو رقم يعكس توسع الصناعة، لا تراجع الزراعة.
ثالثًا: الأصناف... الجودة سلاح مصر فى المنافسة العالمية
يقوم معهد بحوث القطن بدور محورى فى استنباط أصناف عالية الإنتاج والجودة، متوافقة مع البيئات المختلفة ومتطلبات الصناعة:أصناف الوجه البحري. مثل جيزة 94 وهوإنتاجيته مرتفعة وتيلته ممتازة.وجيزة 97 وهو من الأصناف الواعدة عالية الجودة.. وجيزة 96: توازن مثالى بين الإنتاج والجودة.
أما أصناف الوجه القبلى مثل
جيزة 95: مبكر النضج ومتحمل لدرجات الحرارة المرتفعة. وجيزة 98: إنتاجية جيدة وتحمل نسبى للإجهادات البيئية.
نقاوة الصنف… خط أحمر لا يقبل التهاون
الحفاظ على النقاوة الوراثية للأصناف أثناء الإكثار يمثل حجر الزاوية فى حماية سمعة القطن المصرى عالميًا، ويتطلب:الالتزام الصارم بمناطق العزل.والرقابة الدقيقة أثناء الزراعة والحصاد.
ومنع خلط التقاوى أو التهاون فى عمليات الغربلة والنقل.
إن أى تفريط فى النقاوة الوراثية يعنى خسارة تراكمية لا تُقاس بالموسم الواحد، بل بتاريخ وسمعة عالمية.
رابعًا: التحديات... اختبار للإرادة لا مبرر للتراجع
رغم المؤشرات الإيجابية، يواجه القطن المصرى تحديات واقعية:
التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة.وارتفاع تكاليف الإنتاج، خاصة الأسمدة والعمالة. وأيضا بعض الممارسات الخاطئة مثل الإفراط فى التسميد الأزوتى أو الاستخدام العشوائى للمبيدات.
وكذلك وجود منافسة عالمية من الأقطان قصيرة التيلة منخفضة السعر.لكن الفارق الجوهرى اليوم أن هذه التحديات يجب أن تُدار ضمن رؤية استراتيجية شاملة، لا بردود أفعال مؤقتة.
خامسًا: الدولة تتحرك… والصناعة فى القلب
يشهد قطاع الغزل والنسيج أكبر عملية تحديث منذ عقود مثل
تطوير مجمعات صناعية كبرى فى المحلة الكبرى وكفر الدوار بطاقة 10 آلاف طن غزل سنويًا و45 مليون متر نسيج. وتحديث المحالج فى الفيوم، الزقازيق، كفر الدوار، كفر الزيات لرفع كفاءة الحلج وتقليل الفاقد.
ودعم المدينة النسيجية بالعاشر من رمضان وربط الحلقات من الحقل إلى المنتج النهائي.
لذا أصبحت الرسالة واضحة:
إن القطن لم يعد محصولًا منفردًا، بل صناعة قومية متكاملة.
سادسًا: الإرشاد الزراعي… صمام الأمان الفنى
يلعب الإرشاد الزراعى دورًا محوريًا فى: خفض عدد الرشات من 6–7 إلى 2–3 فقط. وايضا حماية صحة المزارع والبيئة. بالإضافة إلى تحسين جودة الشعرة وزيادة العائد الاقتصادي.
فالمعلومة الصحيحة فى التوقيت المناسب تعنى إنتاجًا أعلى وتكلفة أقل.
سابعًا: التسويق... المحفز الحقيقى للمزارع واستدامة الزراعة
يمثل التسويق المنظم والمستدام العنصر الحاسم فى قرار المزارع بزراعة القطن من عدمه. فوجود سعر عادل، وآلية تسويق واضحة، وضمانات لاستلام المحصول فى توقيت مناسب، كلها عوامل:
تشجع المزارع على الالتزام الفني.
وتقلل من التلاعب والوسطاء.
كما تضمن استدامة المساحات المنزرعة.
ومن المهم ان نعى أن التسويق ليس حلقة أخيرة، بل نقطة البداية الحقيقية لنجاح المنظومة.
ثامنًا: 2026... عام الحصاد إذا تضافرت الجهود
إذا تضافرت الجهود بين الزراعة والصناعة والتجارة، فإن عام 2026 مرشح ليشهد:زيادة كبيرة فى القيمة المضافة.وتوفير آلاف فرص العمل. وتعزيز تنافسية القطن المصرى عالميًا.وحوكمة صارمة للجودة والتسويق.
وأخيرا.. القطن... مشروع دولة لا ذكرى
القطن المصرى لا يجب أن يكون حنينًا إلى الماضي، بل مشروع دولة متكامل يُقاس بالعائد، والتشغيل، والاستدامة.إنها لحظة حاسمة:
إما أن نعيد القطن إلى عرشه الطبيعى بعقل العلم والصناعة والاقتصاد…أو نتركه أسير الذكريات.والمؤشرات كلها تقول:
آن الأوان لانطلاقة القطن المصرى الكبرى… واستعادة الذهب الأبيض لمكانته التى تليق باسم مصر.









