الخميس 29 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

كلمة مصر نافذة

الرئيس السيسى يحذر: توقفوا عن التهجير القسرى للفلسطينيين فالتداعيات ستمتد إلى أوروبا والعالم

ما زال خطر التهجير القسرى لنحو 2.5 فلسطينى من قطاع غزة، يهدد الشرق الأوسط وقارة أوروبا، بوجه خاص، بعد اتفاق وقف إطلاق النار بين حركة حماس وإسرائيل بناء على خطة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب.



ولطالما وقفت مصر كحائط صد منيع، ترفض بشكل قاطع محاولات ومؤمرات تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، محذرة من أن تهجيرهم يصفى القضية ويهدد قارة أوروبا بموجة هجرة غير شرعية لا يستطيع أحد تحمل مخاطرها. 

بينما يترقب العالم اقتراب نيران سيناريوهات كارثية مع انفجار قنبلة الهجرة من قطاع غزة فى ظل التفاف الاحتلال الإسرائيلى على الخطة الأمريكية لغزة عبر آليات تنفيذ بنودها العشرين بصورة غامضة والمماطلة، وجّه الرئيس عبدالفتاح السيسى، خلال كلمته ضمن فعاليات الاحتفال بالذكرى الـ74 لعيد الشرطة، رسالة حازمة للعالم دعا فيها إلى التوقف عن الممارسات الممنهجة ضد الشعب الفلسطينى فى أرضه المحتلة ورفض تهجيره من وطنه.

وقال الرئيس عبدالفتاح السيسى: «أحذر من خروج مليونى ونصف مليون فلسطينى من قطاع غزة، وما يعنيه من تصفية القضية، وأنه سيؤدى إلى نزوح الآلاف إلى أوروبا، وتداعيات أمنية واقتصادية واجتماعية جسيمة لا طاقة لأحد على تحملها».

وأعرب عن رفض مصر القاطع والحاسم لأى مساع لتقسيم دول المنطقة، أو إنشاء كيانات ومليشيات موازية للجيوش والمؤسسات الوطنية والشرعية.

وجدد التأكيد على ضرورة عدم عرقلة المساعدات الإنسانية الموجهة إلى أهل غزة، والتنفيذ الكامل للمرحلة الثانية من الاتفاق، والشروع الفورى فى إعادة إعمار القطاع.

إن مخطط التهجير القسرى لسكان قطاع غزة، أخطر التحديات التى تواجه القضية الفلسطينية والأمن القومى العربى فى العصر الحديث، ما يهدد بتصفية القضية الفلسطينية وتحويل غزة إلى منطقة غير قابلة للحياة عبر التغيير الديموجرافى لسكان القطاع.

نزعات انفصالية وخلق ديموجرافيا سياسية جديدة

تمثل قضية تهجير أهل غزة تهديدًا للأمن القومى العربى ككل، وحذر كتاب منبثق من المؤتمر الدولى فى القاهرة “غزة ومستقبل السلام والاستقرار فى الشرق الأوسط” الذى عقد فى فبراير 2025، من تداعيات مشروعات التهجير على أمن الشرق الأوسط التأثير على الديموجرافيا السياسية، وتفكيك الدول ونشوء نزعات انفصالية، كما حدث فى جنوب السودان والعراق. بالإضافة إلى استشراء الإرهاب والمليشيات، حيث يخلق التهجير «بيئات خصبة» للتطرف، حيث تستغل التنظيمات الإرهابية مشاعر الحرمان والظلم لتجنيد جيل جديد من الشبان النازحين. 

ويشير المؤتمر، الذى نظمه المركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية والمجلس المصرى للشئون الخارجية، إلى الأعباء المزدوجة للنزوح واللجوء فى الشرق الأوسط عن طريق استعراض الكلفة الاقتصادية والأمنية الضخمة على الدول المضيفة، مشيرًا إلى أن مصر والأردن تتحملان أعباء تفوق قدراتهما فى ظل تراجع التمويل الإنسانى الدولى.

فيما تم التأكيد أيضًا على دعم المقاربة المصرية التى تعتبر التهجير خطًا أحمر، وتربط بين إعادة إعمار غزة والحفاظ على وجود سكانها وبين تسوية القضية الفلسطينية ككل. والدعوة إلى الانتقال من وقف إطلاق النار إلى مسار سياسى شامل يُفضى إلى حل دائم يقوم على حل الدولتين، باعتباره الطريق الوحيد لتحقيق استقرار مستدام فى الشرق الأوسط.

منطلقات الموقف المصرى

لا يعد الشرق الأوسط، اليوم، بؤرة التوتر الوحيدة فى العالم، ولكنه بلا شكّ الأكثر بروزًا خلال العقدين الماضيين فى عالم تتسم صراعاته بالخطورة ما يخلق حلقة لا نهاية لها من الصراعات والأزمات بفعل التغير الديموجرافى السريع، والتوسع الحضرى، وتضاؤل ​​الموارد الطبيعية، بما فى ذلك الغذاء والماء والطاقة. 

وينطلق موقف مصر من مبدأ أن توفير المأوى والحماية لمن يسعون إلى الأمان على حدودها يعد التزامًا راسخًا لذا لم تنتظر مصر المساعدات اللوجيستية والمالية بل فتحت أبوابها لملايين النازحين بداية من العراق وسوريا والصومال والسودان يندمجوا فى المجتمع وليس تركهم على تخوم الحدود فى مخيمات مثل دول عديدة فى المنطقة أقامت مخيمات عبر الحدود مع حصر أعدادهم للحصول على مساعدات من المفوضية الأممية للاجئين.

رغم تطلب الأمر ألا يقتصر دعم المانحين الدوليين للاجئين فى المنطقة فقط، بل يلزم تقديم المساعدات إلى الدول المضيفة فى ظل الأزمات الاقتصادية الراهنة والصراعات المسلحة والأوبئة.

تكلفة الهجرات القسرية

وتعتبر الآثار الاقتصادية للنزوح فى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من بين الأشدّ وطأةً فى العالم، حيث يسفر عن ازمات اقتصادية واجتماعية بالغة الأهمية على النازحين داخليًا، والمجتمعات المضيفة لهم، سواء فى السكن أو التعليم والصحة 

وتقدر اللجنة الدولية لرصد النزوح أن متوسط ​​تكلفة الفرد الواحد عن عام من النزوح يبلغ 623 دولارًا أمريكيًا، أى ما يقارب ضعف المتوسط ​​العالمى البالغ 390 دولارًا أمريكيًا. ويُعادل هذا تكلفة اقتصادية إجمالية تقارب 8 مليارات دولار أمريكى، أى 40% من تقديراتنا العالمية للتكلفة. ويمثل هذا عبئًا إضافيًا هائلًا على الحكومات التى تكافح أصلًا لتوفير الخدمات الأساسية والحفاظ على الاستقرار.

وتضاعف أزمات اللاجئين فى الشرق الأوسط العديد من التحديات السياسية والأمنية التى تواجه المنطقة، حيث يشكل النزوح واسع النطاق مصدر قلق لاستقرار المنطقة. 

وكمثال للمخاطر الأمنية حذرت دراسة لمؤسسة “تشاتام هاوس” للعلاقات الدولية أن الصراع فى ليبيا سهل التوسع العابر للحدود لتهريب المهاجرين والاتجار بالبشر فى غرب إفريقيا فى ظل فشل الموقف الأوروبى، حيث ازدهر تهريب المهاجرين والاتجار بهم فى ليبيا منذ انهيار نظام العقيد معمرالقذافى فى 2011، وتفاقم الأزمة السياسية المستمرة، ما انعكس على توسع سريع لشبكات تهريب المهاجرين المتمركزة فى ليبيا لتسهيل عبورهم بحرًا إلى أوروبا. ارتفع عدد المهاجرين الذين دخلوا إيطاليا عبر البحر الأبيض المتوسط ​​من حوالى 28,500 مهاجر عام 2011، إلى ما يقارب 163,000 مهاجر عام 2016.

وأدى الصراع الليبى لظهور فصائل مسلحة واقتصاد يهيمن عليه العنف، مما شجع على تهريب المهاجرين والاتجار بهم. وقد أدى ذلك إلى ازدهار عمليات التهريب فى النيجر ونيجيريا، مما دعم النمو الاقتصادى فى النيجر وزاد من حدة العنف فى نيجيريا. كما أسهم ازدياد تدفق اللاجئين والمهاجرين وطالبى اللجوء عبر ليبيا فى توسيع نطاق اقتصاد الصراع.

وقد برز نمطٌ يتمثل فى سعى الجماعات الليبية للحصول على الدعمين السياسى والمالى من صانعى السياسات الأوروبيين، مع السماح باستمرار عمليات التهريب.

وسعى صانعو السياسات الأوروبيون إلى الحد من وصول المهاجرين غير النظاميين من ليبيا عبر التعاون مع الجماعات المسلحة الليبية، بدلًا من كبح جماحها وفى النيجر المجاورة، ضغط القادة الأوروبيون على السلطات النيجرية لتجريم حركة الأفراد.

أوروبا.. بين فكى الهجرة واليمين المتطرف

وعبر البحر المتوسط، يهدد التهجير القسرى لمليونى ونصف مليون فلسطينى من غزة، بنزوح الآلاف إلى أوروبا بما يعكسه ذلك من تداعيات أمنية واقتصادية واجتماعية جسيمة فى قارة تشهد أخطر مراحل تاريخها بسبب تهديدات روسية وأمريكية فى أوكرانيا وجرينلاند، فى وقت تعانى فيه القارة أثارًا أكثر من عقد من الزمان استقبلت فيه مهاجرين من دول الشرق الأوسط وأوكرانيا.

وتشير إحصاءات الأمم المتحدة إلى أن 41 ألف لاجئ ومهاجر فقط دخلوا الاتحاد الأوروبى عبر البحر حتى بداية العام الماضى، وعلى الرغم من أن عدد الذين وصلوا عبر البحر المتوسط لا يمثل سوى جزء بسيط فقط من عدد من وصلوا إلى أوروبا فى 2015، والذى تجاوز مليون شخص فقد أظهر استطلاع حديث للرأى أن الهجرة تمثل أهم ما يشغل مواطنى الاتحاد الأوروبى البالغ عددهم 500 مليون نسمة.

الأمر الذى خلق حالة من الرفض فى دول أوروبا لاستقبال اللاجئين، حيث تعانى دول غرب أوروبا انقسامات داخلية جراء ضغط الأحزاب اليمينية المتطرفة لتبنى سياسات متشددة ضد اللجوء والهجرة مثل ألمانيا والسويد، بينما تتبنى بالفعل دول وسط وشرق أوروبا مواقف أكثر تشددًا ومعارضة للهجرة غير النظامية ولنظام الحصص الإلزامية لإعادة توزيع اللاجئين تحت شعار حماية الهوية الدينية والأمنية، وهو خطاب يسود فى المجر، بولندا، التشيك، سلوفاكيا، ومن الأمثلة على مواقف زعماء أوروبا مؤخرًا، ركزت جورجيا ميلونى رئيسة وزراء إيطاليا على منع عمليات الإنقاذ البحرى للمنظمات غير الحكومية، ووقعت اتفاقيات مع ألبانيا وليبيا لاستضافة مراكز احتجاز، وشددت الخطاب ضد “تهديد” الهجرة غير النظامية.

كما دعا الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون لسياسة أوروبية “تضامنية وصارمة” فى آن واحد، مع تشديد إجراءات الترحيل للذين يرفض طلبات لجوئهم وتعزيز اتفاقيات مع دول المنشأ.

كما يواجه المستشار الألمانى «أولاف شولتس» مزيدًا من الضغوط الداخلية حول تقييد اللجوء بعد صعود اليمين المتطرف.

بينما يتبنى فيكتور أوربان رئيس وزراء المجر موقفًا صارمًا رافضًا تمامًا، ويصف الهجرة بأنها «غزو»، ويرى فيها تهديدًا للهوية المسيحية لأوروبا، وبنى أسوارًا على حدود بلاده.

وتذكر مجلة «فورين بولسى» أن بريطانيا تشهد حاليًا أكثر النقاشات تطرفًا فى العالم حول الهجرة، حيث شعر حزب العمال بالذعر، من رفض عبور قوارب الهجرة غير الشرعية وصعود حزب الإصلاح اليمينى المتطرف بزعامة نايجل فاراج - الذى حصد 14% من الأصوات فى عام 2024، لذا سعى الحزب لتبنى سياسيات متشددة ضد الهجرة عبر إقرار تغييرات جذرية فى نظام الإقامة الدائمة ومد فترة الحصول عليه البقاء فى البلاد لعشر سنوات، ما يهدد ومع 4.5 مليون مقيم فى المملكة المتحدة يحملون الإقامة الدائمة.