الزراعة المصرية تستعيد قوتها.. ومعدلات غير مسبوقة للصادرات
هيثم يونس
فى وقت تتزايد فيه التحديات العالمية المرتبطة بسلاسل الإمداد والأمن الغذائى، يفرض القطاع الزراعى المصرى نفسه كأحد أعمدة الصمود والنمو فى الاقتصاد الوطنى، مسجلًا خلال عام 2025، إنجازًا غير مسبوق فى ملف الصادرات الزراعية، بالأرقام والدلالات، ليؤكد أن الزراعة لم تعد مجرد نشاط تقليدى، بل أصبحت صناعة استراتيجية ومحركًا رئيسيًا للعملة الصعبة.
الصادرات الزراعية المصرية، حققت حصادًا استثنائيًا بلغ نحو 9.5 مليون طن من الحاصلات الزراعية خلال عام 2025، بزيادة تجاوزت 800 ألف طن مقارنة بالعام السابق، فى طفرة تعكس نجاح السياسات الزراعية والتوسعات الأفقية والرأسية التى انتهجتها الدولة خلال السنوات الأخيرة.
مصدر أساسى للنقد الأجنبى
الأرقام لا تتوقف عند الكميات فقط، بل تمتد إلى القيمة، إذ سجلت الصادرات الزراعية المصرية الطازجة والمصنعة 11.5 مليار دولار خلال عام واحد، وهو رقم غير مسبوق، استحوذت به الزراعة على نحو 24% من إجمالى الصادرات المصرية إلى العالم، لتتحول فعليًا إلى قاطرة حقيقية للنمو الاقتصادى، ومصدر موثوق لتدفقات النقد الأجنبى.
هذا الإنجاز، يعكس تحولًا نوعيًا فى نظرة الدولة للقطاع الزراعى، من كونه قطاعًا خدميًا إلى كونه ركيزة إنتاجية واستثمارية قادرة على المنافسة العالمية، خاصة فى ظل الطلب المتزايد على الغذاء الآمن عالى الجودة.
الموالح فى الصدارة
تصدرت «الموالح»، قائمة الصادرات الزراعية المصرية بكمية بلغت 2 مليون طن، لتواصل مصر تربعها على عرش الدول المصدرة للبرتقال عالميًا للعام السادس على التوالى، فى إنجاز يعكس قوة البنية الإنتاجية والتصديرية لهذا المحصول الاستراتيجى.
وجاءت “البطاطس”، فى المركز الثانى بكمية 1.3 مليون طن، مستفيدة من السمعة الجيدة للمنتج المصرى فى الأسواق الأوروبية، تلتها “البطاطا” التى حققت طفرة ملحوظة بصادرات بلغت 387 ألف طن، وهو ما يعكس تنوع السلة التصديرية وعدم الاعتماد على محصول واحد فقط.
كما شملت قائمة أهم الصادرات، الفاصوليا “الطازجة والجافة” وبلغت نحو 336 ألف طن، والبصل الطازج بنحو 288 ألف طن، والعنب بنحو 191 ألف طن، والرمان والمانجو بواقع 136 ألفًا و126 ألف طن على التوالى، إضافة إلى الطماطم والفراولة اللتان سجلتا 68 ألفًا و64 ألف طن، وسط نمو ملحوظ فى الطلب الأوروبى، خاصة مع تشديد معايير الجودة والاستدامة.
العالم يفتح أبوابة للمنتجات المصرية
هذا الأداء اللافت، يعكس الثقة الدولية المتزايدة فى المنتج الزراعى المصرى، إذ تصدر مصر حاليًا نحو 405 منتجات زراعية إلى 167 دولة حول العالم، وهو رقم يعكس اتساع رقعة النفاذ للأسواق العالمية، ويؤكد مكانة مصر كقوة زراعية صاعدة على الخريطة الدولية.
الأرض تتكلم إنتاجًا
أحد أهم العوامل التى وقفت خلف هذه الطفرة التصديرية، هو مشروع التوسع الأفقى فى الأراضى الزراعية، بإضافة نحو 4 ملايين فدان، عبر مشروعات قومية كبرى مثل الدلتا الجديدة، وتوشكى، وشرق العوينات، وسيناء.
هذه التوسعات، لم تقتصر على زيادة الرقعة الزراعية فحسب، بل اعتمدت على نظم زراعة حديثة، وترشيد استخدام المياه، والتوسع فى المحاصيل التصديرية ذات القيمة الاقتصادية العالية.
«النتيجة»، كانت واضحة ممثلة فى زيادة المعروض، واستقرار الإمدادات، وتحقيق فوائض قابلة للتصدير دون الإخلال بالأمن الغذائى المحلى.
تعميق التصنيع الزراعى
ولم تقف الاستراتيجية عند حدود الإنتاج، بل امتدت إلى تعميق التصنيع الزراعى، باعتباره الحلقة الأهم فى تعظيم العائد من كل طن محصول، فتحويل المنتجات الزراعية إلى سلع مصنعة أو نصف مصنعة يضاعف قيمتها التصديرية، ويخلق فرص عمل، ويقلل الفاقد، ويجعل الصادرات أقل تأثرًا بتقلبات الأسعار العالمية، وهذا التوجه أسهم فى رفع قيمة الصادرات الزراعية المصنعة، وجعل الزراعة شريكًا مباشرًا فى الصناعة والتجارة، وليس مجرد مورد خام.
أسواق جديدة ورقمنة كاملة
سعت الدولة لفتح أكثر من 25 سوقًا تصديرية جديدة خلال عام 2025، من بينها أسواق واعدة فى شرق آسيا، وأمريكا اللاتينية، ومنطقة الكاريبى، وهو ما يعكس نجاح الدبلوماسية الزراعية المصرية.
كما قامت بتدشين منظومة التكويد، لتلعب دورًا محوريًا فى تتبع المنتج من المزرعة وحتى المستهلك، إلى جانب الرقمنة الكاملة لخدمات الحجر الزراعى، التى أسهمت فى تقليص زمن الإفراج الجمركى، وزيادة وتيرة التدفقات التصديرية، وتحسين تنافسية المنتج المصرى فى الأسواق العالمية.
الزراعة.. رهان الدولة الرابح
فى المحصلة، يكشف هذا الحصاد الاستثنائى أن الزراعة المصرية لم تعد مجرد قطاع تقليدى، بل أصبحت رهان الدولة الرابح فى معركة النمو الاقتصادى، وتوفير العملة الصعبة، وتعزيز الأمن الغذائى، وخلق فرص العمل.
ومع استمرار التوسع فى الرقعة الزراعية، وتعميق التصنيع، وفتح أسواق جديدة، تبدو الصادرات الزراعية مرشحة لمزيد من القفزات، لتؤكد أن ما تحقق فى 2025، ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة تتحدث فيها الأرض بلغة الأرقام.
أعادت رسم خريطة التجارة الدولية
الدكتور محمد البهواشى، الخبير الاقتصادى، يؤكد أن الطفرة اللافتة التى تشهدها الصادرات الزراعية المصرية خلال الفترة الأخيرة لم تأتِ من فراغ، بل تقف وراءها مجموعة من العوامل المتشابكة، فى مقدمتها المتغيرات العالمية التى أعادت رسم خريطة التجارة الدولية، وفى القلب منها الأزمات المتلاحقة واضطراب سلاسل الإمداد والتوريد على مستوى العالم.
“البهواشى” يوضح أيضًا أن تلك الأزمات، وما صاحبها من تراجع قدرة بعض الدول الكبرى على الوفاء باحتياجات أسواقها، فتحت المجال أمام مصر لتلعب دورًا محوريًا كبديل موثوق للعديد من الدول، خاصة داخل الاتحاد الأوروبى، ودول القارة الإفريقية، مستفيدة من موقعها الجغرافى المتميز الذى يمنحها ميزة نسبية فى سرعة النفاذ إلى الأسواق وتقليل تكاليف الشحن والنقل.
رفع تنافسية المنتج المصرى
الخبير الاقتصادى، يتابع قائلًا: إن العامل الحاسم فى هذا الصعود يتمثل فى الارتقاء الملحوظ بجودة المنتج الزراعى المصرى، وهو المعيار الأهم بالنسبة للدول المستوردة، مشيرًا إلى أن التزام الصادرات الزراعية بالمعايير الدولية، وعلى رأسها خلو المنتجات من متبقيات المبيدات، عزز من ثقة الأسواق الخارجية ورفع من تنافسية المنتج المصرى عالميًا.
وفى السياق ذاته، يرى «البهواشى» أن العلاقات الدبلوماسية المتوازنة التى تربط مصر بمختلف دول العالم لعبت دورًا محوريًا فى دعم هذا الملف، مشيرًا إلى أن توقيع المزيد من الاتفاقيات التجارية أسهم فى فتح آفاق جديدة أمام الصادرات الزراعية، وزيادة حجم التبادل التجارى مع العديد من الشركاء الدوليين، بما انعكس إيجابيًا على حركة الصادرات.
أساليب زراعية حديثة لزيادة الإنتاجية
كما يوضح أن التوسع فى الرقعة الزراعية، إلى جانب زيادة إنتاجية الفدان من خلال الاعتماد على أساليب الزراعة الحديثة، سواء عبر التوسع الأفقى أو الرأسى، أسهما بشكل مباشر فى تعزيز القدرة التصديرية، وتوفير فائض مخصص للأسواق الخارجية.
“البهواشى”، شدد كذلك على ضرورة إحكام السيطرة على أسعار مدخلات الإنتاج الزراعى والعمل على توفيرها محليًا، مؤكدًا أن ذلك من شأنه خفض تكاليف الإنتاج، وتعزيز تنافسية المنتج المصرى فى الأسواق العالمية، وفتح أسواق جديدة، بما يضمن الحفاظ على مكانة مصر كقوة تصديرية مؤثرة فى ظل استمرار اضطراب سلاسل الإمداد العالمية.
قصة نجاح مكتملة الأركان
الدكتور أشرف كمال، أستاذ الاقتصاد الزراعى بمركز البحوث الزراعية، قال: “إن الصادرات الزراعية المصرية تمثل “قصة نجاح مكتملة الأركان”، مشيرًا إلى أنها استطاعت الصمود وتحقيق نتائج إيجابية حتى فى أصعب الفترات التى مر بها الاقتصاد العالمى.
«كمال»، يوضح كذلك أن تداعيات جائحة كورونا أدت إلى تراجع صادرات العديد من الدول، خاصة دول حوض البحر الأبيض المتوسط، إلا أن الصادرات الزراعية المصرية واصلت تسجيل معدلات جيدة، قبل أن تشهد طفرة غير مسبوقة خلال العام الماضى.
الحجر الزراعى.. خط الدفاع الأول
أستاذ الاقتصاد الزراعى، يرى أن هذا النمو اللافت يرجع فى الأساس إلى السياسات المتوازنة التى تنتهجها وزارة الزراعة واستصلاح الأراضى، التى يأتى فى مقدمتها دور الحجر الزراعى المصرى، الذى وصفه بـ«خط الدفاع الأول» عن سمعة الصادرات الزراعية المصرية فى الأسواق العالمية، مؤكدًا أن تشديد إجراءات الفحص والرقابة أسهم فى تعزيز ثقة الدول المستوردة، وفتح أسواق جديدة أمام المنتج المصرى فى دول كبرى مثل اليابان والصين ونيوزيلندا وأستراليا وشيلى وجنوب إفريقيا وكندا، إلى جانب أسواق أخرى متنوعة.
كما أضاف: إن “كلمة السر” الحقيقية وراء الزيادة المتواصلة فى الصادرات الزراعية المصرية تكمن فى مفهوم الجودة، الذى أصبح سمة أساسية للمنتج المصرى خلال السنوات الأخيرة، موضحًا أن وزارة الزراعة تطبق منظومة دقيقة للتتبع والتكويد للمنتجات الزراعية، وتتيح تتبع الثمار منذ لحظة قطفها وحتى وصولها إلى المستهلك النهائى، وهو ما عزز من مصداقية الصادرات المصرية عالميًا، ويعد أحد الأسباب الرئيسية لتصدر مصر قائمة أكبر مصدرى البرتقال فى العالم للعام السادس على التوالى.
تنوع كبير فى السلع المصدرة
وحول تنوع التوزيع الجغرافى للصادرات الزراعية، يشير “كمال” إلى أنه يمثل أحد أهم عناصر قوتها، لافتًا إلى أن الموالح تحتل المرتبة الأولى بإجمالى صادرات يبلغ نحو 2.4 مليون طن، تليها البطاطس بنحو مليون طن، ثم البصل والفاصوليا الخضراء والفراولة، التى تحتل مصر المركز الأول عالميًا فى تصديرها، مشددًا على أن ذلك يعكس تنوعًا كبيرًا فى السلع المصدرة، ويؤكد الجودة العالية للمنتج الزراعى المصرى.
الأستاذ بمركز البحوث الزراعية، يوضح أن المشروعات القومية الكبرى للتوسع فى الرقعة الزراعية كان لها دور محورى فى دعم الصادرات الزراعية، مشيرًا إلى أن الدولة، بتوجيهات من السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى، أولت اهتمامًا بالغًا بهذا الملف، من خلال مشروعات عملاقة مثل توشكى الخير بمساحة مليون فدان، ومستقبل مصر بنحو 1.1 مليون فدان، والدلتا الجديدة بمساحة 2.2 مليون فدان، إلى جانب مشروعات شمال ووسط سيناء وشرق العوينات وغيرها، وهذه المناطق تعد أراضى بكرًا خالية من الإصابات المرضية والآفات، ما ينعكس بشكل مباشر على جودة المحاصيل وملاءمتها للتصدير”.
وعن توجه الدولة نحو تعظيم القيمة المضافة من خلال دعم التصنيع الزراعى وتوفير المواد الخام اللازمة له، ينوه “كمال” بأن نسبة التصنيع الزراعى ارتفعت من نحو 8% إلى قرابة 40%، مشددًا على أن الحفاظ على مكانة مصر كدولة رائدة فى تصدير المنتجات الزراعية يأتى على رأس أولويات القيادة السياسية ووزارة الزراعة، بالتعاون مع اتحاد منتجى ومصدرى الحاصلات الزراعية، والمجلس التصديرى للحاصلات الزراعية، ووزارة التجارة والصناعة.
فى الوقت ذاته، أكد أيضًا أهمية الترويج للمنتجات المصرية فى المعارض الدولية الكبرى، وعلى رأسها معرض ألمانيا، إلى جانب تنظيم بعثات تجارية دولية لفتح مزيد من الأسواق أمام الصادرات المصرية.






