الخميس 29 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

معركة الوعى مستمرة

حرب استعادة العقول

خلف شاشات زجاجية، يواجه جيل كامل أكبر تجربة اجتماعية فى التاريخ البشرى، فبينما يظن الآباء أن أطفالهم فى أمان داخل غرفهم المغلقة، تقتحم خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعى براءتهم، لتعيد صياغة عقولهم بعيداً عن الرقابة، ما يضعنا أمام «معضلة» قائمة على كيفية حماية أطفالنا من مخاطر مواقع التواصل دون أن نعزلهم عن عصرهم.



 وجاءت كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسى، خلال احتفالية عيد الشرطة الرابع والسبعين، حول ضرورة إصدار تشريعات من أجل الحد من استخدام الهواتف لسن معينة أو منعه لحماية أبناء مصر من أى مخاطر قد تهدد وعيهم وتكوينهم، لتؤكد أن تقنين الاستخدام هو الجسر الوحيد الذى يضمن ألا تتحول «الشاشة» من نافذة تطل على العالم إلى جدار يعزل الطفل عن فطرته وأسرته ويهدد وعيه،  وتعد تلك الخطوة «حائط صد» تاريخى أمام التغول الرقمى، ويحمى العقل المصرى من التشتت.

وعقب توجيهات الرئيس، انطلقت تحركات برلمانية، لإصدار تشريعات تحد من استخدام الهواتف المحمولة حتى عمر معين للحفاظ على الأطفال، إذ أعلن مجلس النواب برئاسة المستشار هشام بدوى، التحرك لإعداد مشروع قانون ينظم ويضع ضوابط لاستخدام الأطفال لتطبيقات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعى، أسوة بما قامت به بعض الدول من منع استخدام الهواتف المحمولة للأطفال.

وأكد مجلس النواب، أن هذا التوجه يعكس إدراك الدولة العميق لحجم التحديات التى تواجه أطفال مصر من مخاطر نفسية وسلوكية نتيجة الاستخدام المفرط لتطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعى، الذى قد يصل إلى حد الإدمان الرقمى، وكذا حرص الدولة على إعداد جيل واعى قادر على الاستخدام الأمثل لمواقع التواصل الاجتماعى وغيرها من وسائل التكنولوجيا الحديثة، مشددًا على اعتزامه اتخاذ جميع الخطوات الجادة، فى إطار ما نظمه الدستور واللائحة الداخلية للمجلس، من دراسة إقرار تشريع ينظم هذا الأمر ويضع حداً للفوضى الرقمية التى تواجه أبناءنا وتأثر بشكل سلبى على مستقبلهم.

وأوضح «البرلمان»، أنه سيعقد حوارًا مجتمعيًا موسعًا من خلال لجانه المختصة لتلقى كل الرؤى والأطروحات ذات الصلة من جميع مؤسسات الدولة المعنية وفى مقدمتها الحكومة، ممثلة فى وزير الشئون النيابية والقانونية والتواصل السياسى، ووزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والجهاز القومى لتنظيم الاتصالات، والمجلس القومى للأمومة والطفولة، وغيرهم، للوصول لصياغة تشريعية دقيقة تحقق الهدف المنشود لحماية النشء المصرى من أية مخاطر تهدد أفكاره وسلوكياته.

 يأتى ذلك فى الوقت الذى أكدت فيه لجنة الإعلام بمجلس النواب برئاسة النائبة ثريا بدوى، أهمية رصد نقاط القوة والتحديات المتعلقة بوسائل التواصل الاجتماعى قبل سن التشريعات لضمان فاعليتها وتطبيقها بشكل عملى ومتوازن، مشيدة بتوجيهات الرئيس حول استنساخ تجربة أستراليا وبريطانيا بقانون يحد من استخدام الأطفال للهواتف ومواقع التواصل الاجتماعى لسن معين، مع توعية أولياء الأمور بضرورة ربط استخدام الأجهزة الإلكترونية بمراحل النمو المختلفة، وذلك من خلال إطلاق ندوات توعوية بالمدارس والجامعات وتفعيل أدوات الرقابة الأسرية، إلى جانب الاستفادة من البحوث العلمية المتخصصة حول مخاطر الموبايل على الفئات العمرية المختلفة.

وفى السياق ذاته، تقدم أكثر من نائب بعدد من طلبات الإحاطة  للحفاظ على الأطفال من مخاطر  التواصل الاجتماعى، حيث تقدم النائب عمرو فهمى، بطلب إحاطة موجّه إلى رئيس مجلس الوزراء، وكل من وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ووزير التربية والتعليم والتعليم الفنى، ووزير الشباب والرياضة، ووزيرة التضامن الاجتماعى، بشأن مخاطر تطبيق «تيك توك» على الأطفال والشباب، وتأثيراته السلبية على القيم المجتمعية والأمن الفكرى، وسبل مواجهة استغلاله بشكل غير مسئول.

وأكد «فهمى»، أن حماية الأبناء والشباب من مخاطر الاستخدام السيئ للتكنولوجيا مسئولية وطنية مشتركة، تستوجب تحركًا عاجلًا من الحكومة، وذلك استجابة لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسى، وفى إطار الحرص على حماية النشء والشباب وبناء وعى مجتمعى حقيقى، مطالبًا بإحالة طلب الإحاطة إلى لجنة الاتصالات ودعوة الوزراء المختصين لدراسة الأمر ووضع إطار تشريعى وتنظيمى متكامل ينظم استخدام التطبيق وفق المراحل العمرية المختلفة، بما يحقق التوازن بين الاستفادة من التطور التكنولوجى وحماية الأطفال والشباب من مخاطره السلبية، ومواجهتها قبل أن تتفاقم داخل المجتمع المصرى .

وأشار إلى أن تطبيق «تيك توك» بات يمثل خطراً متزايدًا على الأطفال والشباب داخل المجتمع المصرى، فى ظل الانتشار الواسع للتطبيق وغياب الضوابط الكافية التى تنظم المحتوى المقدم من خلاله، الأمر الذى يشكل تهديداً حقيقيًا للقيم الأخلاقية والسلوكية، موضحًا أن التطبيق يسمح بعرض محتويات غير لائقة، والترويج لسلوكيات خاطئة، وانتشار تحديات خطرة، فضلاً عن الإساءة المتعمدة للذوق العام، إلى جانب استغلال الأطفال والشباب لتحقيق أرباح مادية على حساب سلامتهم النفسية والفكرية.

ولفت إلى أن الفترة الأخيرة شهدت إلقاء القبض على عدد من الشباب والفتيات بعد ثبوت استغلالهم للتطبيق فى ممارسات مشبوهة ترقى إلى شبه غسيل أموال، من خلال تحقيق أرباح ضخمة بطرق غير مشروعة، فضلاً عن تقديم محتوى غير أخلاقى ومخالف للآداب العامة، مستغلين غياب الرقابة وسهولة الوصول للجمهور، خاصة من فئة المراهقين والأطفال، مضيفًا أن هذه الوقائع أثارت قلقًا مجتمعيًا واسعًا لما تحمله من دلالات خطيرة على استغلال المنصات الرقمية فى أنشطة غير قانونية، بما يهدد منظومة القيم، ويستدعى تشديد الرقابة وتفعيل أدوات المحاسبة القانونية، ووضع آليات واضحة لمتابعة مصادر الدخل الناتجة عن هذه التطبيقات، حمايةً للمجتمع وصونًا للأمن الأخلاقى والاقتصادى.

وتابع: «التطبيق يسهم فى إهدار الوقت وضعف التحصيل الدراسى لدى الطلاب، وتشويه الوعى المجتمعى ونشر ثقافة التفاهة والعنف اللفظى والسلوكى، وتعريض الأطفال لمحتوى غير مناسب لأعمارهم دون رقابة أسرية أو تقنية فعالة، فضلاً عن استغلال بعض المستخدمين للقُصّر فى محتوى مخالف للقانون والآداب العامة، وغياب الشفافية بشأن آليات حماية البيانات والخصوصية»، محذرًا من التأثير السلبى على الهوية الثقافية والقيم الأسرية للتطبيق، وزيادة معدلات الإدمان الرقمى والعزلة الاجتماعية، واستخدامه كوسيلة لنشر أفكار مغلوطة أو سلوكيات منحرفة، بما يؤثر سلباً على الأمن الفكرى والنفسى للنشء.

وطالب النائب، الحكومة بوضع إطار تشريعى وتنظيمى واضح لضبط عمل منصات التواصل الاجتماعى، وعلى رأسها تطبيق «تيك توك»، وإلزام التطبيق بآليات رقابة فعالة على المحتوى المقدم للأطفال والمراهقين داخل مصر، مع تفعيل أدوات التحقق من الأعمار ومنع وصول القُصّر إلى محتوى غير ملائم، داعيًا إلى التنسيق بين وزارات الاتصالات والتعليم والشباب والتضامن لإطلاق حملات توعية رقمية للأسر والطلاب، ومراقبة المحتوى المخالف للقانون واتخاذ إجراءات حاسمة تجاه الحسابات المسيئة، ودراسة فرض قيود أو ضوابط زمنية لاستخدام التطبيق من قبل الأطفال، إلى جانب دعم بدائل رقمية هادفة تشجع على الإبداع والمعرفة والقيم الإيجابية.