من طه حسين إلى الأبنودى
قوة مصر الناعمة تتعاظم فى معرض الكتاب
مروة مظلوم
للكتب عطر تلتقطه أنوف عشاقها فى أجواء معرض القاهرة الدولى للكتاب لسحره نشوة تسرقهم من عوالم مادية صلبة وتضعهم على أول طريق.سحر القراءة التى قال عنها محفوظ «من يتوقف عنها ساعة يتأخر قرونا”.. فما إن تضع قدمك بداخل المعرض حتى تذوب فى أروقته بعيدًا عن فيديوهات السوشيال ميديا ومعلوماتها المختزلة وأخبارها الموجهة وألعابها المسمومة والمغيبة للعقل.. استمتع بسحرالكتاب وادخل بسلام إلى عالم القراءة فهنا معرض الكتاب.. ندوات مبادرات فعاليات أنشطة كاتب وكتاب وقارئ جميعهم يلتقون وجهًا لوجه يتناقشون ويتبادلون الآراء أكثر من 600 فعالية، وبلغت فعاليات البرنامج الثقافى والفكرى وحده 400 فعالية، فضلا عن 100 حفل توقيع، و120 فعالية فنية.
على سبيل المثال لا الحصر احتفى المعرض هذا العام بمرور 100 على «كتاب فى الشعر الجاهلى» لطه حسين فى ندوة تحمل نفس العنوان حضرها دكتور محمد عفيفى، والدكتور صبرى حافظ، والدكتور حسين على، وأدارها الإعلامى الدكتور خالد عاشور.
وقال د. حسين على أستاذ الفلسفة والمنطق جامعة عين شمس أن كتاب «فى الشعر الجاهلى» تناوله من زاوية فلسفية وفى إطاره التاريخى، مشيرًا إلى أن طه حسين واجه عقب صدور الكتاب عام 1926 هجومًا واسعًا ومعارضة شديدة وصلت إلى المصادرة والاتهامات.
وأكد أن طه حسين كان “متنورًا” وأدرك من خلال معاركه الفكرية أن الاتهامات التى وُجهت إليه بالطعن فى الدين الإسلامى لم تكن فى محلها، مشيرًا إلى أنه لم يكن يستهدف الإساءة إلى الإسلام أو التراث الدينى، وإنما كان يسعى إلى تناول الأدب العربى وتاريخه بمنهج علمى حديث.
الأبنودي
وعن كتابه عبدالرحمن الأبنودى شاعر الهوية المصرية يقول الناقد الأدبى د.رضا عطية إنه رحلة بحثية فى شعر الأبنودى الذى يعد نقلة فنية فى شعر العامية حيث إنه كرس باقتدار لانتقال قصيدة العامية من الرباعيات والعمودية إلى التفعيلة فالأبنودى هو صاحب النفس الأطول فى نقل الصورة واستخدام الاستعارات والتشبيهات قبله كانت مكتنزة لكنه استطاع بصورته الشعرية الممتدة بناء قصيدة ذات بناء شعرى طويل ومحكم، كما نوع فى الأشكال وارتقى بالأساليب.. فنجد فى قصائده نوعية الرسائل الممتدة بين الزوج وزوجته ونميز بين صوت الرجل فى مقابل صوت المرأة، وعبر باقتدار عن الجرح المصرى بعد نكسة يونيو 1967 بقصيدة عدى النهار، وهناك ديوان للأبنودى لم يأخذ حقه هو ديوان “الفصول”.
وأكد د. رضا عطية أن الأبنودى نموذج للشخصية المعتدلة بشعره وكان المدافع الأول عن الهوية وضد فكرة الاستلاب وتفشى سرطان التطرف الذى يتاجر بالدين لصالح جماعة تقدم نفسها عن الوطن، وأضاف أن “كتاب عبدالرحمن الأبنودى شاعر الهوية المصرية” هو رابع كتاب له يتناول الشعر وأول كتاب له فى شعر العامية ويقدم تجربة نقدية موسعة عن شعر الأبنودى ويصدر عن المجلس الأعلى للثقافة.
السندريلا والقديس
وعن مشاركته هذا العام فى معرض الكتاب يقول د.أحمد الخميسى إنه يشارك بأكثر من كتاب فهناك الأعمال القصصية الكاملة والذى يصدر عن دار أطياف وينشر على جزءين.. الأول جمع فيه كل ما كتبه من قصص فى مرحلة مبكرة ولم تدخل فى مجموعات قصصية والثانى جمع كل المجموعات القصصية.. أما الكتاب الثانى فيصدر أيضًا عن دار أطياف بعنوان سندريلا والقديس وفيه ينشر لأول مرة مذكرات والده عبدالرحمن الخميسى ورحلته مع سعاد حسنى واكتشافها والكتاب يضم المذكرات ورؤيته الخاصة لحياة سعاد حسنى ووالده الراحل ونهايتهما فى الغربة، فكلاهما انتهت حياته بعيدًا عن أرض الوطن فسعاد لقيت مصرعها فى لندن وتوفى والده فى موسكو.
كما صدر كتاب “طراز النيل.. الإيجيبتومنيا فى الفن والموضة” للباحثة شذى يحيى، ضمن إصدارات سلسلة “آفاق الفن التشكيلي” فى معرض القاهرة الدولى للكتاب فى دورته السابعة والخمسين المنعقدة حاليا بمركز مصر للمعارض الدولية بالتجمع الخامس.
يقدم الكتاب قراءة نقدية وتاريخية معمقة لظاهرة “الهوس بمصر” التى اجتاحت الوجدان العالمى عبر العصور. ويستعرض فى ثناياه رحلة استقصائية حول كيفية تغلغل الحضارة المصرية فى مخيلة الآخر، متتبعا أثرها العميق الذى لم يتوقف عند حدود التاريخ أو الآثار، بل امتد ليشكل ملامح العمارة، والموضة، والسينما، والأدب فى الشرق والغرب على حد سواء، مؤكدا أن مصر القديمة ستظل الحلم المتجدد الذى يغذى الإبداع البشرى.
وتوضح المؤلفة من خلال سردها الفلسفى أن “الإيجيبتومنيا” هى قوة ثقافية متجددة أعادت صياغة الأسطورة المصرية برؤية حديثة تدمج بين الغموض القديم واحتياجات الحداثة البصرية. كما يحلل العمل الأبعاد السوسيولوجية لهذا الولع العالمى، وكيف استثمر المبدعون الرموز الفرعونية لإنشاء عوالم خيالية وواقعية تضفى سحرا خاصا على المنجز الإنسانى المعاصر.
ويعد الكتاب وثيقة صادقة ترصد كيف استهلكت الثقافات المختلفة الرموز المصرية وأعادت تأويلها، مما يجعله مرجعا مهما للباحثين والمثقفين الراغبين فى فهم أسرار الجاذبية المصرية التى لا تغيب عن مخيلة الفنانين، لتظل “الإيجيبتومنيا” شاهدا على خلود الحضارة المصرية وقدرتها الفائقة على إلهام الوجدان العالمى فى كل زمان ومكان.
آلهة الدم
وعن موسوعة آلهة الدم قال المستشار طاهر الخولى فى مناقشة الموسوعة التى شهدتها قاعة “كاتب وكتاب” “إن الفكرة الدينية التى كانت تُطرح داخل بعض الجماعات الإرهابية، هى الدافع الأساسى الذى جعله يبحث ويتعمق فى هذا الملف، إلى جانب الشائعات الكبرى والتفسيرات الشائعة، التى دفعته إلى التساؤل، ومن هنا بدأت رحلته البحثية، التى قادته إلى إعداد دراسة أكاديمية داخل الجامعة.
وأضاف الخولى: “من خلال العودة إلى القرآن الكريم، وبعد سنوات من الدراسة والتأمل، توصلت إلى قناعة واضحة، مفادها أن ما تطرحه هذه الجماعات لا يمثل جوهر الدين، ولا يعكس حقيقة الرسالة التى جاء بها النبى صلى الله عليه وسلم، هذا الاكتشاف لم يكن لحظة عابرة، بل نتيجة تراكم معرفى امتد على مدار سنوات طويلة من البحث والتحليل”.
ورأى أن المشكلة الحقيقية تكمن فى التعصب لفكرة بعينها، أو توظيف الدين لخدمة توجه أو جماعة محددة، فحين يتحول النص الدينى إلى أداة انتقائية، تُفقد معانيه الإنسانية والرحمة، ويتم تقديمه فى صورة مشوهة لا تخدم الدين ولا المجتمع. لذا فإن هذه الدراسة جاءت كمحاولة لفهم الظاهرة فى سياقها الحقيقى، وكشف الفجوة بين الخطاب الدينى الصحيح وما تروّجه بعض الجماعات، بهدف تقديم قراءة أكثر وعيًا واتساقًا مع القيم الإسلامية والإنسانية على المستوى العالمى.
وشدد على أن الدولة تتحمل مسؤولية أساسية فى مواجهة واحدة من أخطر الإشكاليات، وهى تحويل النص الدينى إلى سلاح”، معتبرًا أن “المشكلة لا تتعلق بدين بعينه، ولا بعقيدة محددة، لأن كل الأديان تحمل قيمًا سامية، لكن الخطر الحقيقى يكمن فى توظيف الدين لخدمة أهداف سياسية أو أيديولوجية”.
ونبّه إلى ضرورة عدم اختزال الدين فى صراع أو عنف، وتجنب إعادة إنتاج خطاب يُستخدم فيه الإيمان كأداة للتبرير، لأن “الدين، فى جوهره، لا يقوم على الحشد العاطفى ولا على التعبئة الإعلامية أو التدريبية، وإنما يقوم على الإيمان الصادق، والإخلاص، والإرادة الإلهية التى تحض على الخير لا على القتل أو الإقصاء”.
أكد الكاتب والشاعر أبو الفتوح البرعصى، أن التراث البدوى يمثل جزءًا أصيلًا من النسيج الثقافى المصرى، ويعكس تنوعًا ثريًا لا يتناقض مع وحدة الهوية الوطنية، بل يعززها.
شعراء البادية على المنصة
ونبه “البرعصي”، خلال رئاسته مؤتمر “أدب وفنون البادية المصرية” الذى عُقد فى قاعة المؤتمرات ضمن فعاليات المعرض إلى أهمية الحفاظ على هذا التراث وتوثيقه بوصفه ذاكرة حية للأجيال المقبلة.
وخلال الجلسة الأولى من المؤتمر، التى انعقدت بعنوان “التراث البدوى المصرى بين التنوع والوحدة”، وتناولت ثراء التراث البدوى المصرى بوصفه أحد أهم روافد الهوية الثقافية، بما يحمله من تنوع فى البيئات والأساليب، ووحدة فى القيم والانتماء، قدّم الشاعر عبدالستار سليم قراءة مُعمَقة فى فنون الشعر البدوى.
وأوضح «سليم» أن الشعر البدوى فى بداياته كان يضم 7 أنواع فقط؛ منها 3 عامية خالصة لا تقبل الفصحى، و3 فصحى لا تقبل العامية، إلى جانب نوع واحد مختلط يجمع بين الفصحى والعامية، مضيفًا: «هذا الفن تطور بشكل كبير عبر الزمن، حتى وصل عدد أنواعه حاليًا إلى 25 نوعًا من الشعر، ما يعكس ثراء التجربة البدوية واتساع آفاقها” وتوقف الشاعر الكبير عند شعر «النميم» باعتباره أحد أبرز فنون الشعر البدوى، موضحًا خصائصه الإيقاعية واللغوية، ودوره فى التعبير عن الوجدان الجمعى لأبناء البادية، وما يحمله من قيم الحكمة والخبرة الحياتية المتراكمة. كما تطرّق إلى الشعر السودانى، مؤكدًا ما يحمله من خصوصية ثقافية وتأثيرات بيئية، إلى جانب التقاطعات الفنية واللغوية التى تجمعه بالشعر البدوى المصرى.
ملاحظات على المعرض.. ماذا لو؟
ماذا لو؟.. سؤال طرحناه فأجمعت الإجابات على التجديد فى أسلوب اختيار شخصيات المعرض والاحتفاء بالأحياء فى مناسباتهم العقدية وأعياد ميلادهم.. حيث قال د.رضا عطية لا شك أن نجيب محفوظ هو أعظم من أنجبت مصر من أدباء ويستحق اختياره أكثر من مرة ولكن لى تحفظ على مصوغات اختيار الشخصيات كل عام.. هناك الكثير من المبدعين على قيد الحياة وهم أحق بالتكريم بدلًا من أن يتم تكريمهم بعد الوفاة لماذا لا يتم الاحتفاء بإبداعهم وهم أحياء.. وهناك شخصيات هم علامات فى الثقافة والأدب أمثال لويس عوض أحمد عبدالمعطى حجازى صلاح فضل مراد وهبة لماذا لايتم تكريمهم فى مناسبتهم العقدية..
وقال د. أحمد الخميسى إن نجيب محفوظ جدير بالاحتفاء فى كل وقت لكنه لا ينقصه التكريم بعد الوفاة لن يرفع من قيمته ولن يزيد تاريخه شيئًا لكن هناك من الأحياء والأموات أيضا من لهم باع فى الثقافة العربية، ولم يتم تكريمهم لا أحياء ولا أموات لماذا؟.. ثم إن الاحتفاء بنجيب محفوظ من وجهة نظرى يكون بطباعة كتبه طباعة شعبية فى عيد ميلاده وتوفيرها بأسعار فى متناول الجميع أو إقامة عشر ندوات متصلة عن إبداعه.
ويرد الكاتب الصحفى حلمى النمنم وزير الثقافة الأسبق عن هذا فيقول منذ أن استحدثت فكرة شخصية معرض الكتاب وهناك اتفاق غير مكتوب باختيار الشخصيات من غير الأحياء خشية أن يتسبب ذلك فى معارك ثقافية وانحياز لشخصيات بعينها لذا فشخصية المعرض يتم اختيارها من غير الأحياء مثل أحمد مستجير عبدالرحمن الشرقاوى.
مكتبة الأسرة
على جانب آخر أشاد د.رضا عطية بهيئة الكتاب ود. خالد أبو الليل القائم بأعمال رئيس الهيئة العامة للكتاب على إعادة إصدار مجلة فصول بعد توقف 3 سنوات وهى بمثابة هدية قوية للثقافة المصرى فهى المجلة النقدية الأقدم والأعرق والتى أشرف عليها د. جابر عصفور وصلاح فضل وترأسها صلاح عبدالصبور..
وأضاف أن مبادرة كتاب لكل بيت مباردة طيبة لكنها لن تغنى الأسرة عن مكتبة الأسرة التى أثرت البيوت المصرية بالفعل بالعديد من الكتب فى شتى المجالات نتمنى إحياء التجربة بإصدارات جديدة.. وإن كان المشروع بالفعل جبارا ويحتاج لتمويل فلماذا لا تتكفل به شركات كبيرة مثل الشركة المتحدة، فهو بالفعل كان يخدم الثقافة المصرية ويوفر على الأسرة المصرية عبئا كبيرا.. أتمنى تكرار التجربة.
ويعلق الكاتب الصحفى حلمى النمنم أن تمويل مشروع مكتبة الأسرة منذ البداية كان يعتمد على رجال الأعمال وتكلف حوالى 32 مليون جنيه كآخر ميزانية له لم تتحمل الدولة شيئا وقتها، أما الآن فلا يوجد تمويل يكفى لمشروع ضخم كهذا لكن هناك إصدارات جماهيرية من هيئة الكتاب والمجلس الأعلى للثقافة والمؤسسات الصحفية الكبرى تصدر كتبا بأسعار زهيدة فعلى سبيل المثال لاحظت كتابا لجورج زيدان فى أول يوم فى المعرض بـ 40 جنيها وفى دار نشر أخرى بـ 400 جنيه.
وعلق د.أحمد الخميسى أن مبادرة كتاب فى كل بيت مبادرة جميلة “ المشكلة تكمن فى التطبيق على أرض الواقع مثل هذه المبادرات لا بد وأن تصل لمستحقيها أين أهل الصعيد والقرى والمحافظات من مثل هذه المبادرات وهم فى أشد الحاجة لها، نحن بحاجة لحركة تنويرية تشمل إصدارات فى مختلف المجالات بأسعار زهيدة داخل الريف المصرى والصعيد.
معرض الطفل
ويشكل نشاط الطفل بمعرض القاهرة الدولى للكتاب مساحة ثقافية نابضة بالحياة، تتنوع فعالياتها بين الأنشطة التفاعلية، والورش الفنية، والبرامج الفكرية، وجلسات القراءة والمعرفة، فضلًا عن اللقاءات المفتوحة مع الأدباء وكتاب ورسامى أدب الطفل.
وقال الباحث الأستاذ أحمد عبدالعليم، مسئول نشاط الطفل بمعرض القاهرة الدولى للكتاب، إن فلسفة المعرض هذا العام فى التعامل مع أنشطة الطفل تقوم على جعل الطفل شريكًا رئيسيًا وبطلًا للحكاية، من خلال أنشطة تفاعلية تعتمد على مشاركة الأطفال أنفسهم فى الإبداع، سواء عبر الورش الفنية، أو الندوات، أو تقديم ابتكارات علمية وفنية. وأكد الحرص على تنوع الأنشطة والهيئات المشاركة، مع اهتمام خاص بالأنشطة العلمية والتكنولوجية وحقوق الطفل الثقافية. وأوضح أن برنامج الطفل يولى أهمية كبيرة لتعزيز الهوية المصرية والانتماء، عبر ورش وأنشطة تحكى تاريخ مصر على مر العصور تحت عنوان “كنوز المحروسة”، إلى جانب التعريف بشخصيات المعرض بوصفها جزءًا من قوة مصر الناعمة وعمقها الحضارى، فضلًا عن لقاءات يومية تجمع الأطفال بعدد كبير من كتاب ورسامى أدب الطفل، بما يعزز علاقتهم بالقراءة والكتاب ويشجعهم على الإبداع. ويأتى هذا النشاط بوصفه أحد أهم محاور المعرض، حيث لا يقتصر حضوره على الطفل فقط، بل يتحول إلى ملتقى يجمع أفراد الأسرة كافة فى تجربة ثقافية مشتركة، تعزز الوعى، وتدعم الخيال، وتفتح آفاق الإبداع، فى إطار يجمع بين الترفيه والمعرفة، ويؤكد دور الكتاب بوصفه ركيزة أساسية فى تشكيل الوعى منذ الطفولة.






