النائبة أميرة صابر لـ«روزاليوسف»: التبرع مشروع وطنى لإنقاذ الأرواح ولا يحتمل التأجيل
حوار ـ محمود محرم
موجة واسعة من الجدل المجتمعى، صاحبت مقترح النائبة أميرة صابر، عضو مجلس النواب، بتأسيس بنك وطنى للأنسجة البشرية، يعمل على تسهيل إجراءات التبرع بالجلد والأعضاء بعد الوفاة.
ذلك المقترح، لاقى اهتمامًا بالغًا من قبل نواب البرلمان وخبراء الصحة على حد سواء، فى حين أثار تساؤلات حول الجوانب القانونية والأخلاقية والإجرائية لتنظيم ذلك التبرع.
النائبة أميرة صابر، كشفت فى حوارها مع جريدة «روزاليوسف»، عن كواليس المقترح الذى فتح واحدًا من أهم الملفات الشائكة التى تتعلق بأزمة علاج الحروق، والنقص الحاد فى الأنسجة البشرية، مقدمة رؤية متكاملة فى محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين المجتمع ومنظومة التبرع، ووضع هذا الملف الحيوى على أجندة الأولويات الوطنية، وإلى نص الحوار:
■ فى البداية، ما الذى دفعك لتقديم مقترح تأسيس بنك وطنى للأنسجة البشرية؟
- الدافع الأساسى كان إنسانيًا وطنيًا بالدرجة الأولى، نتيجة للنقص الشديد فى الأنسجة البشرية الحيوية، الذى تعانى منه مصر منذ سنوات، وعلى رأسها الجلد والقرنيات، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على فرص إنقاذ آلاف المرضى، خاصة ضحايا الحروق والحوادث الكبرى، والأطفال الذين يمثلون النسبة الأكبر من هذه الحالات، ولدينا قانون ينظم التبرع بالأعضاء والأنسجة منذ عام 2010، ولكنه يحتاج إلى تفعيل وكان لدينا أيضًا بنك للأنسجة فى جامعة عين شمس 2009 قبل إغلاقه، ولذلك كان لابد من التحرك لسد هذه الفجوة الخطيرة.
■ تحدثت فى أكثر من مناسبة عن أزمة حقيقية فى علاج مرضى الحروق، ما ملامح هذه الأزمة؟
- الأرقام مؤلمة للغاية وكبيرة وتقدر بالآلاف، حيث تشير الدراسات إلى أن نحو %50 من مرضى وحدات الحروق فى المستشفيات الجامعية «أطفال»، وأكثر الفئات تضررًا ما دون سن الخامسة، والحروق فى مصر تمثل أزمة صحية عامة، وعلاج هذه الحالات يعتمد بشكل أساسى على توفر الجلد الطبيعى المحفوظ، وعدم توفره يعنى تأخر التدخل الطبى، وزيادة خطر العدوى، وارتفاع نسب الوفيات أو الإعاقات الدائمة، والمقترح ليس مقتصرًا على الجلد فقط، ولكنه يشمل صمامات القلب والقرنيات وغيرها.
■ لماذا التركيز على إنشاء بنك وطنى للأنسجة تحديدًا؟
- البنك الوطنى هو العمود الفقرى لأى منظومة تبرع فعالة، ولا يمكن الحديث عن التبرع دون وجود مؤسسة وطنية متخصصة تتولى جمع الأنسجة، ومعالجتها، وحفظها وفق أعلى المعايير الطبية، ثم توزيعها بعدالة وشفافية، وغياب هذا البنك جعلنا نعتمد على الاستيراد الخارجى بتكلفة كبيرة، وهو عبء ضخم على الدولة والأسر، بينما يمكننا بناء منظومة وطنية مستدامة بتكلفة أقل وكفاءة أعلى.
■ البعض تخوف من الفكرة واعتبرها مساسًا بحرمة الجسد، كيف تردين على هذه المخاوف؟
- تخوف المواطنين نابع فى معظمه من سوء فهم شديد للمفهوم الطبى والإنسانى للتبرع بالأنسجة، ونحن لا نتحدث عن انتهاك الجسد أو ممارسات غير أخلاقية، بل عن تبرع طوعى كامل، يتم وفق ضوابط صارمة تحافظ على كرامة الإنسان حيًا وميتًا، كما أن دار الإفتاء المصرية والأزهر الشريف أكدا مرارًا أن التبرع بالأعضاء والأنسجة بعد الوفاة «صدقة جارية» وعمل إنسانى نبيل، طالما تم بإرادة حرة ودون مقابل مادى.
■ كيف يمكن ضمان النزاهة ومنع أى ممارسات غير قانونية؟
- التبرع يتم فى إطار تشريعى واضح، ورقابة صارمة، وإدارة مركزية عبر البنك الوطنى للأنسجة، ووجود منظومة رسمية يقلل تمامًا من احتمالات أى تجاوزات، وبالعكس، غياب التنظيم هو الذى يفتح الباب للفوضى، ونحن نطالب بمنظومة مؤسسية شفافة، تخضع لإشراف الدولة، وتطبق أعلى المعايير الطبية والأخلاقية.
■ هل المقترح يتطلب إصدار تشريعات جديدة أم الاكتفاء بالقانون الحالى؟
- لدينا بالفعل قانون منذ عام 2010 لتنظيم زراعة الأعضاء والأنسجة البشرية، وهو يشكل أساسًا قانونيًا مهمًا، لكنه يحتاج إلى تفعيل حقيقى على أرض الواقع لضمان وصول التبرع بالأنسجة إلى كل من يحتاجها دون عراقيل، لذلك اقترحت إدخال تعديلات عملية عليه، بحيث يكون التسجيل سهلًا وآمنًا، ويشمل كل الفئات العمرية المستحقة، إضافة إلى ذلك أرى أن هذه التعديلات ستعزز الشفافية وتقلل أى فرص للتجاوزات أو سوء الاستخدام، كما تسهل عمل البنوك الوطنية للأنسجة، وتضمن توزيع الأنسجة على المستشفيات بشكل عادل ومنظم، كما أن التعديلات المقترحة يجب أن تصاحبها حملات توعية مكثفة تشرح الحقوق والواجبات، وتوضح أن التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، هو عمل إنسانى نبيل لا يتعارض مع القيم الدينية أو الأخلاقية، بل يعكس التكافل المجتمعى الذى ينقذ أرواح آلاف المرضى سنويًا.
■ حدثينا عن دور الوعى المجتمعى فى إنجاح هذا المشروع؟
- الوعى هو حجر الزاوية، نحن نحتاج إلى ثورة ثقافية فى مفهوم التبرع، فالمشكلة ليست فى القوانين بل فى الثقافة المجتمعية السائدة، لذلك يجب أن تكون هناك حملات توعية وطنية تشارك فيها المؤسسات الدينية والإعلامية والطبية ومنظمات المجتمع المدنى، لتصحيح المفاهيم المغلوطة، وإبراز النماذج الناجحة التى أنقذت حياتها بفضل التبرع.
■ هناك جدل واسع على مواقع التواصل الاجتماعى، كيف تعاملت معه؟
- احتفلت السوشيال ميديا مؤخرًا بالطفل الذى كانت تغطى الحروق أكثر من 75% من جسده، وأتم الله شفاءه على خير، لأننا استوردنا جلدًا من الخارج، وتم زراعته له، فكيف نحتفى بنجاته من الموت ونهاجم الاقتراح بأن يكون لدينا بنك للأنسجة داخل البلاد، المقترح يناقش قضية إنسانية حساسة، تتطلب قدرًا كبيرًا من التوضيح والشفافية، وحرصت منذ اللحظة الأولى على توضيح أبعاد المقترح بشكل هادئ وعلمى، والرد على المخاوف المشروعة.
المشكلة لم تكن فى الاختلاف، بل فى انتشار بعض المعلومات غير الدقيقة التى استوجبت التدخل لتصحيحها، وأنا أؤمن أن الحوار المجتمعى الواعى هو الطريق الأمثل لبناء توافق عام حول أى تشريع يمس حياة المواطنين، لذلك كنت حريصة على الاستماع لكل الآراء باحترام، وتوضيح أن الهدف الأساسى من المقترح هو إنقاذ الأرواح وتعزيز منظومة الرعاية الصحية، وليس إثارة الجدل أو الصدام.
■ ما أبرز المكاسب التى سيحققها هذا المشروع للدولة المصرية؟
- المكاسب متعددة؛ صحيًا عبر إنقاذ الأرواح وتحسين جودة العلاج، واقتصاديًا عبر تقليل فاتورة الاستيراد التى تكلف الدولة ملايين الجنيهات سنويًا، واجتماعيًا من خلال تعزيز قيم التضامن والرحمة، واستراتيجيًا عبر امتلاك مصر منظومة طبية متقدمة تضعها فى مصاف الدول الرائدة إقليميًا فى هذا المجال.










