الأحد 15 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

من النص القانونى إلى التطبيق العملى

خبراء: منظومة صحية متكاملة لإنقاذ آلاف المرضى

بين نص قانون صادر فى 2010 وفتوى شرعية تجيزه، جاء مقترح إنشاء بنك وطنى للأنسجة، ليعطى بارقة أمل جديدة لآلاف المرضى من ضحايا الحروق والعمليات الجراحية المعقدة، وذلك فى ظل النقص الحاد الذى تعانى منه الدولة من الأنسجة الجلدية والأعضاء الحيوية.



ويعد مقترح إنشاء بنك وطنى للأنسجة، خطوة استراتيجية متقدمة لتحويل القانون القائم من نص على الورق إلى آلية عملية، تضمن تنظيم التبرع بعد الوفاة وفق ضوابط دقيقة، وتحمى كرامة المتبرع، وتوقف أى استغلال، وتقلل من العبء الضخم الذى تتحمله الدولة والأسر، جراء الاستيراد من الخارج، رغم تكلفته الباهظة.

حماية المرضى والمصابين

وفى تصريحات خاصة لجريدة «روزاليوسف»، يقول الدكتور أحمد السبكى، عضو لجنة الصحة بمجلس النواب: «إن مقترح تنظيم التبرع بأنسجة الجلد بعد الوفاة، خطوة إنسانية تعكس وعيًا تشريعيًا متقدمًا بأحد الملفات الطبية الحيوية التى تمس حياة آلاف المرضى والمصابين سنويًا، خاصة حالات الحروق الشديدة والحوادث الكبرى والجراحات المعقدة»، مشيرًا إلى أن التبرع بالأنسجة مثل الجلد يمثل ركيزة أساسية فى منظومة علاج الحروق، إذ يسهم فى إنقاذ الأرواح، وتقليل معدلات المضاعفات، وتسريع فترات التعافى، فضلًا عن تحسين جودة حياة المرضى.

وحول نقص الأنسجة المتاحة للتبرع، يؤكد النائب البرلمانى، أن ذلك يمثل تحديًا كبيرًا أمام الأطقم الطبية والمستشفيات المتخصصة، ما يجعل هذا المقترح ذا بعد استراتيجى وإنسانى فى آن واحد، مشددًا على أهمية إطلاق حملات توعوية موسعة لشرح أبعاد وفوائد التبرع بأنسجة الجلد، وتصحيح المفاهيم الخاطئة المرتبطة به، وتعزيز ثقافة التبرع بعد الوفاة، باعتبارها عملًا إنسانيًا نبيلًا يمتد أثره فى إنقاذ حياة الآخرين.

«السبكى»، يرى أيضًا أن المجتمع المصرى لديه رصيد كبير من القيم التضامنية التى يمكن البناء عليها فى إنجاح هذه المبادرة، لافتًا إلى أن المقترح يمثل فرصة حقيقية لتطوير منظومة بنوك الأنسجة فى مصر، ورفع كفاءتها التشغيلية، وربطها بالمستشفيات الجامعية والتعليمية والمراكز المتخصصة فى علاج الحروق وغيرها، بما يسهم فى تحقيق العدالة فى توزيع الخدمات الطبية وتوفير العلاج للمرضى الأكثر احتياجًا.

ضبط فوضى الاتجار

أما الدكتور محمد البدرى، عضو لجنة الصحة بمجلس الشيوخ، فيؤكد أن الجدل حول الفكرة ناتج أكثر عن سوء فهم، لكنها فى الواقع لا تتجاوز نصوص القانون رقم 5 لسنة 2010 الخاص بنقل وزراعة الأعضاء والأنسجة البشرية، والذى لم يسن لإغلاق باب التبرع، بل لضبطه ومنع الفوضى أو الاتجار، مع الحفاظ على الضوابط الإنسانية الصارمة.

«البدرى»، يوضح أن القانون نفسه يعترف بصراحة بإمكانية نقل الأنسجة من المتوفين، بما فيها الجلد، مع وضع منظومة رقابية دقيقة تحمى الكرامة الإنسانية، وتضمن الشفافية واحترام الإرادة الحرة للمتبرع، منوهًا بأن المقترح لا يدعو إلى أى مساس بحرمة الجسد، بل يسعى إلى تفعيل نص قانونى موجود بالفعل، وتحويله من مجرد حبر على ورق إلى ممارسة عملية منظمة بتسجيل الرغبة فى التبرع، وتجهيز بنية تحتية طبية للحفظ والنقل، ورقابة صارمة تمنع أى استغلال أو تجارة، مؤكدًا أن المشكلة ليست فى الفكرة نفسها، بل فى غياب الثقافة العامة حول التبرع.

بنوك حكومية

ووصف الدكتور محمود ماهر، استشارى أمراض الجلدية والتجميل، المقترح بأنه شىء مهم جدًا، فى ظل تعرض نحو 180 ألف حالة وفاة سنويًا بسبب الحروق فقط، خاصةً الحروق الكبيرة التى تغطى %50 من الجسم، إذ يكون هذا الجزء خاليًا من الجلد، ويصبح المريض معرضًا للعدوى، وخطر الوفاة نتيجة عدم وجود جلد يغطى المنطقة المصابة.

«ماهر»، يشير إلى أن أهمية المقترح فى تسليط الضوء على التبرع بالجلد، وأهمية وجود بنوك لتغطية هذه الاحتياجات، ليس فقط لعلاج الحروق، ولكن أيضًا للعمليات الترميمية للمرضى الذين يزال لهم جزء من جسدهم لأسباب مرضية ويحتاجون إلى زراعة جلد فى منطقة معنية.

استشارى أمراض الجلدية، يرى أن التشريع المصرى موجود بالفعل للتبرع بالأعضاء والجلد من المتوفى وفق رغبة المريض، مع مراعاة ألا يكون هناك أى تشويه فى جسم المتبرع، ويتم تعقيم الجلد وحفظه بطريقة تمكن من تمدده، وأن خطوات زراعته سهلة نسبيًا مع وجود فريق من الأطباء المدربين على هذا الإجراء، وأن مدة الاستشفاء تتراوح عادة بين أسبوعين وشهر، وفى بعض الحالات أقل من ذلك، كما كشف عن أن عام 2025 شهد وصول أول شحنة مستوردة من الجلد إلى مصر، والتى تم استخدامها فى مستشفى «أهل مصر» لعلاج حالات حرجة، مؤكدًا أن هذه الخطوة كانت مهمة جدًا وأسهمت فى إنقاذ حياة المرضى.

أطر قانونية

الهجوم على فكرة التبرع بالجلد والأعضاء فى مصر، كشف عن فجوة كبيرة بين القانون والوعى الشعبى، وفق تعبير الدكتورة هبة السويدى، مؤسس ورئيس مجلس أمناء مستشفى «أهل مصر» لعلاج الحروق، مؤكدة أن القانون متاح منذ 2010، وفتوى دار الإفتاء تؤكد أن التبرع بالجلد والأعضاء يعد صدقة جارية، إلا أن الثقافة الشعبية ما زالت تحول دون تقبل الفكرة.

«السويدى»، تؤكد أن الحل لا يقتصر على استيراد الأنسجة، بل يحتاج إلى تأسيس مركز وطنى للتبرع، يضمن مصدرًا مستدامًا للجلد والأعضاء، ويضع أطرًا قانونية واضحة لكل العمليات، بما فى ذلك التبرع من الأحياء خلال بعض العمليات التجميلية التصحيحية، و«بالنسبة لها» فإن المعركة الحقيقية ليست مع نقص الموارد الطبية، بل مع الثقافة التى تعتبر التبرع بعد الوفاة موضوعًا صادمًا، بينما فى الواقع هو حق إنسانى يمكن أن ينقذ آلاف الأرواح.

فتوى شرعية

دار الإفتاء، أوضحت من جانبها، أنه لا مانع شرعًا من إجراء عملية زراعة وترقيع الجلد عن طريق الانتفاع بجلد الإنسان الميت، إذا كانت هناك ضرورة داعية لذلك، مع مراعاة أن يكون ذلك بعيدًا عن البيع والشراء والتجارة بأى حال، كما يشترط وجوب مراعاة الضوابط الشرعية والقانونية الضابطة لعملية نقل الأعضاء والأنسجة الآدمية من الميت إلى الحى.