الأربعاء 18 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
مكرم عبيد والعقاد:   غرام وانتقام!

مكرم عبيد والعقاد: غرام وانتقام!

كانت دهشة القُراء بالغة من قسوة وعنف الكلمات التى استخدمها الأستاذ «مكرم عبيد» سكرتير حزب الوفد فى مقاله «آخرة عباس العقاد».. حقيقة الكاتب وما كتب! فى جريدة كوكب الشرق بتاريخ 6 أكتوبر سنة 1935.



مصدر الدهشة أن مكرم عبيد نفسه هو الذى ترافع عن العقاد أمام القضاء سنة 1930 فى محكمة الجنايات متهمًا بأنه يقصد الملك فؤاد باستخدامه لمصطلح الرجعية والرجعيين، وانتهت المحاكمة بالحكم عليه بالسجن تسعة أشهر قضاها كاملة وخرج فى 8 يوليو سنة 1931.

فى كتاب الأستاذ رجاء النقاش «عباس العقاد بين اليمين واليسار» تعرض لقصة المحاكمة والسجن وكتب:

كان محامى العقاد هو مكرم عبيد سكرتير حزب الوفد والسياسى البارز الموهوب والمحامى اللامع فى ذلك الحين, وقد أخذت المحاكمة منذ اللحظة الأولى طابعًا جماهيريًا واسعًا, وأمام هذه المحكمة وقف مكرم عبيد ببلاغته وقوة بيانه ووضوح حججه ليقدم دفاعًا سياسيًا عميقًا رائعًا عن العقاد، ويعتبر هذا الدفاع من أجمل وأعمق ما تردد فى المحاكمات الفكرية فى تاريخنا العربى المعاصر، حدد مكرم عبيد القضية منذ البداية على أنها «مأساة أمة» تمثلت فى مأساة فرد ويقول مكرم عبيد بعد ذلك:

الواقع أن هذه القضية التى تبدو فى الظاهر بين النيابة والأستاذ العقاد هى فى الحقيقة بين الرجعية والدستور أو هى بالأحرى بين مبدأى التأخر والتقدم، أيًا كان الشكل الذى قد يتخذه كل من هذين المبدأين، أو الاسم الذى يتسمى به فى مختلف الأزمنة والظروف، وما «العقاد» إلا خصم للرجعية عنيد، انهال عليها بضربات قاتلة رأت ألا قبل لها بها، فاعتزمت أن تنكل به قبل أن ينكل بها، ولما لم تقو عليه فرت إلى السُدة الملكية تتعلق بركابها وتتمسح بأعتابها ولم تستح أن تتخذ منها ستارًا لعيوبها فأسندت العيب للذات الملكية، والعيب كل العيب فيها.

ولا عيب ولا غرابة بل الغريب أن تتطلب من الرجعية أساليب غير رجعية، ولا حياة للرجعية فى جو من الإنصاف والحرية.

إن المؤامرة على العقاد والرغبة فى الزج به إلى السجن هى جزء من المؤامرة على الأمة كلها، على حرياتها ودستورها ورغبتها فى التقدم والتطور.

ومضى مكرم عبيد يقول فى مرافعته التاريخية:

«وإذا كان للعقاد صفة تمتاز بها شخصيته كرجل أو عبقريته ككاتب وشاعر فهى الصراحة التى تأبى المداراة والمواربة أو اللف والدوران على حد تعبيره فى بعض مقالاته, ولو أن النيابة تفهمت نفسيته لأدركت أن مثل هذه الصراحة تأنف أن تستمر وراء لفظ أو عبارة وإنها تعنى ما تقول ما تعنى».

بيد أن هذه الصراحة نفسها هى التى حفزت خصومه إلى المبادرة بتكميمها، فقد كان العقاد صريحًا وجريئًا فى هجومه على الرجعية وفضح نياتها، وكان أول من عتاه بالرجعية الوزارة الحالية وزارة إسماعيل صدقى، كما هو ظاهر من مقالاته، والوزارة خافت أول الأمر من تلك الصراحة فحاولت إسكاتها بتعطيل الجرائد التى كان يكتب فيها العقاد، كما عطلت غيرها من الجرائد التى تولى أمرها غيره من الكُتاب الأحرار، وها هى اليوم تسوقه إلى المحاكمة كما فعلت مع غيره، وكما ستعمل مع غير هذا الغير من بعد إذا طال بهذه الوزارة العهد.

كان هذا رأى مكرم عبيد فى العقاد أثناء محاكمته فى عام 1930، لكن فى عام 1935 تغير الموقف وهاجم مكرم عبيد العقاد «هجومًا كاسحًا لم يتوقعه أحد على الإطلاق».

وللذكريات والمعركة بقية!