الخميس 19 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
.. فَكَّرت علىَّ الحبايب

.. فَكَّرت علىَّ الحبايب

منذ كتب ابن حزم الأندلسى كتابه «طوق الحمامة»، وهو كتاب فى الألفة والحب، وبه قصص العشاق ونوادرهم، واختتمه بفضل التعفف، والحمام رمز للعاطفة النبيلة، يرفرف بجناحيه فى الأشعار، ويحط على أيدى الأغنيات.



وفى عصرنا الحديث تغنى صلاح جاهين بأعذب الكلمات، مُعبّرًا عن آفاق الفرح والحرية عندما يقول: «يا حمام البر سقف / طير وهفهف / حوم ورفرف / على كتف الحر وقف / والقط الغلة / سلامات يسعد صباحك/ فى بلادنا خد براحك/ يا حمام افرد جناحك/ تسلم إن شاء الله»، وهى الأغنية التى كتبها عام 1957، وأنشدتها «أحلام» ولحنها «محمود الشريف».

ورفّت أغنية حمام البنية لسيد حجاب، ورفرفت بألحان عمار الشريعى، وتغنت بها إيمان الطوخى، وتصف حال فتاة عاشقة مضى حبيبها وتركها، رغم ما بذلت من أجله، وكان الحمام رمزًا لهذا الحبيب المفارق، «يا بت ياللى حمامك طار/ قومى اعمليله بنية/ عملتهاله سبع أدوار، شبابيكها كلها بحرية/ رفرف ولا حط عليا».

وتأتى رواية «شجو الهديل» لجار النبى الحلو لتكون أحدث عمل أدبى يستلهم هديل الحمام، وقدرته على إسعاد البشر، وقد صدرت الرواية حديثًا عن دار العين للنشر، وتدور أحداث الرواية فى منوَر ضيق فى عمارة يسكنها العديد من الأُسر، ويصبح الحمام مصدر سعادتهم جميعًا، «فتحى» يعيش فى المنوَّر، وقد أهدت له «اعتماد» بائعة الطيور زوج حمام أصبح مصدر سعادة الجميع، الفنان «كمال» ينزل بأوراقه وألوانه إلى المنور ليرسم الحمام، يستلهم هديله فى لوحات، «كمال» لم يعد يقول لأحد: صباح الخير، بل يقول «صباح الحمام».

أما «آمال» التى لم تتزوج بعد، فهى تهجر يأسها وحزنها، وتفرح بالحمام الذى يطير ويرفرف حتى يصل إلى نافذتها، بل تغنى «طير يا حمام الدوح/ وروح لروح الروح».. نعم، حمامتان صغيرتان تهدلان فتبعثان كل هذا الفرح والشجن، فتحى ينصت للشجو، وينصت لمشاكل السكان، لكن له لحنه الخاص، وفرحه الخاص، أما «عماد» الطالب فهو يعطى نقودًا لفتحى كى يشترى طعامًا للحمام «سهير» الشابة التى أصيبت بمرض عضال، تتحرر من مخاوفها وآلامها، ولا تتأكد أنها حية إلا عندما تسمع صوت الهديل.

شهور قليلة، وصارت الحمامتان أربع حمامات، وتعالى صوت الهديل لتتحول حياة «فتحى» وسكان العمارة إلى غناء وزغاريد.

يطير الحمام ويحط الحمام، وصار فى يد فتحى عالم بصارية طويلة من أعواد البوص، يطير الحمام ويحط الحمام، والكل يبص من عَل للمنوَّر الذى تحول إلى هديل وتغريد ونواح، وغناء، وجاءت العصافير على أرضية المنوَّر تلقط الحبوب الصغيرة وترفرف، ويزداد عدد العصافير ورفرفتها».

لقد استطاع «فتحى» الإنسان البسيط المتفائل الذى لا يملك شيئًا سوى الأمل، وحب الطيور كجزء من محبة الطبيعة أن يغير حياة من حوله، بشجو الهديل/ استطاع أن يُسمع الآخرين صوت الحب، والابتهاج بالحياة.

لكن هذه السعادات لم تستمر على هذا النحو لأن عبدالسلام صاحب العمارة، قرر أن يرسل جزارًا ليذبح العنزة الجديدة التى أهدتها «اعتماد» لـ«فتحى»، بل قرر صاحب العمارة أن يذبح الحمام أيضًا، ولم يجد «فتحى» مخرجًا لأزمته سوى أن يطلق الحمام فى الفضاء لكنه عاد ثانية له، يرفرف فى سقف حجرته، متمسكًا بحياته مع «فتحى» الذى استطاع أن يتذوق متع الحياة البسيطة، ومغازلة الطبيعة، وعشق مظاهرها وأصواتها فكأنه يُسمعنا ألحانها، يصنع يومه وأيام الآخرين من خلال تفاصيل صغيرة هى التى تصنع الحياة، ورغم مجىء الجزار إلا أن الحمام صنع لحن حريته ورفرف فى الآفاق، يعود إلى سقف حجرة «فتحى» وكأنه يستمتع أيضا بما أدخله من سرور على نفوس الناس تتخلل النص السردى مقتطفات شعرية تعبر عن حالة فتحى والسكان بعد قرار صاحب العمارة بذبح الحمام! ومنها هذه الأبيات الشهيرة المعبِّرة: «أقول وقد ناحت بقربى حمامة/ أيا جارة لو تشعرين بحالى؟/ لقد كنت أولى منك بالدمع مقلة/ ولكن دمعى فى الحوادث غالى».

كما يصف «جار النبى الحلو» فى روايته ذلك الترجيع بل ذلك التسبيح الذى اقترن بصوت الحمام فيقول: «ياه كبرت الزغلولتان، صارتا حمامتين/ وصرت أحب التنصت لهديلهما فى الصباحات الباكرة، يرتفع الهديل كأنه تسبيح، كأنه تهدج، كأنه مغازلة، كأنه طلب الود».

اعتمدت الرواية على عنصر المفارقة متمثلًا فى أحوال الشخصيات، شخصية «فتحى» تنتمى إلى عالم المهمشين، لكنه ينتقل بفنه وحبه للحياة وتفاصيلها من الهامش إلى المتن، فيصبح محورًا لاهتمام، وفرح الجميع، ويصبح «المنوَّر» ذلك المكان الضيق إطلالة على آفاق عريضة، وآمال بسعادات، رسام يبتكر لوحاته، وفتاة تستشعر أولى بوادر الشفاء أو على الأقل تكافح ما تحمل لها الأيام من صعوبات ومشاكل صحية، وهنا يدخل فى نسيج السرد شجن جديد فتقول «سهير» الحمامة صاحبة اللون الأبيض أجمل، وصاحبة اللون الرمادى هادئة وطيبة، وحزينة مثلى، هل تفكرين فى الموت؟ هل تفكرين فى بيضتين تعيدان دورة الحياة؟»، ثم يحتشد السرد لنسمع معها صوت محمد منير وهو يغنى: «يا حمام بتنوح ليه؟ فكّرت علىَّ الحبايب».

يمتزج الألم بالأمل، والفراق بالعناق، واللون الأبيض بالرمادى، ولكن تبقى هذه الرواية أنشودة بكل ما فى الحياة من فرح وشجن.