آفة البث المباشر.. من يردع التجاوزات؟
د. مريم الشريف
مع صعود منصات التواصل الاجتماعى، برزت ظاهرة البث المباشر لبعض الصحف الإلكترونية بوجود مراسليها من موقع الحادث، الذين ينقلون الواقعة لحظة حدوثها متضمنة صور الضحايا وتفاصيل تمس كرامتهم، ما يؤدى إلى تحول الرأى العام وجعله يدعم طرفًا ضد آخر قبل تحقيقات الشرطة وأحكام القضاء، فضلًا عن التسبب فى حدوث خلل مجتمعى باتهام طرف وفضحه ونشر صورته، ورغم أن ذلك الشخص قد يبرؤه القضاء، إلا أن وصمة العار لا تزول عنه طوال حياته.
ترصد «روزاليوسف» فى هذا التقرير، التناول الإعلامى لأخبار الجرائم والحوادث وانتشار ظاهرة البث المباشر عبر مواقع السوشيال ميديا، إذ تقول الكاتبة الصحفية سحر الجعارة، عضو الهيئة الوطنية للصحافة: إن الإعلام المحترم والمتفق على جديته من قنوات إعلامية أو جرائد أو مواقع صحفية، لا يمكن مساواتهم بموقع ليس له اسم أو هوية أو حديث الإنشاء ويسعى فقط للإثارة وجذب المشاهدين، وبالتالى لا بد من التفرقة بين الإعلام بصورته المعهودة المحترمة والخاضع للجهات الرسمية فى الدولة، وبين استخدام السوشيال ميديا للبث المباشر أو الفضائح أو افتعال «بروباجندا» غير حقيقية.
وبشأن القانون الصحفى، تشير إلى أنه ينص على أن أى صحفى صفحته تتضمن أكثر من 5 آلاف متابع تعامل معاملة المطبوع الإلكترونى وتخضع لكل قوانين النشر الإلكترونى، لكنها قاعدة غير مطبقة، مشيرة إلى أن حُمى التربح السريع جعلت بعض المواقع وبعض الصفحات الشخصية على السوشيال ميديا تنشر فيديوهات مهينة للمجتمع والمرأة وغيرهما، مستنكرة عدم وجود رقابة أو آليات يمكنها ملاحقة البث المباشر، خاصة أن كل ما هو مخالف ويستوجب المعاقبة ينفرد بتفاعل وردود كثيرة من الجمهور.
وتطالب بتفعيل الرقابة الشعبية، وهى آلية مهمة جدًا فى كل دول العالم المتحضر من خلال بلاغ على «فيس بوك» بأن هذا المحتوى مسىء، وبناءً عليه يتم إغلاق الصفحة وهذا مبنى على وعى المواطنين، لافتة إلى ضرورة الالتزام بأخلاقيات المهنة وهنا نحتاج أكوادًا أخلاقية للنشر، موضحة أن نقابة الصحفيين لديها صلاحيات تصل إلى حد الشطب من النقابة حال مخالفة القوانين، كذلك الهيئة الوطنية للصحافة فهى تراقب على مدار الساعة الصحف القومية ومواقعها لرصد الأخطاء والمخالفات القانونية، علمًا بأننا لم نرصد أى مخالفات حتى الآن.
أما الكاتب الصحفى علاء ثابت، وكيل الهيئة الوطنية للصحافة ورئيس تحرير الأهرام السابق، فيقول: فى الحوادث تتقدم الحقيقة ببطء بينما تجرى الشائعة حافية وتسبقها إلى الصفحات والبث المباشر، وهنا تقع الخطيئة، حينما يترك الصحفى مهنته على الرصيف، ويرتدى روب القاضى، ثم يُصدر حكمًا قبل أن تُفتح الأحراز، وقبل أن ينطق الطب الشرعى بكلمته، وقبل أن يُكمل التحقيق سؤاله الأول، رغم أن الصحافة ليست منصة لإرضاء الغضب العام، ولا وسيلة لتوزيع شهادات البراءة والإدانة بالجملة.
ويضيف: الصحفى فى هذه اللحظة إما أن يكون شاهدًا أمينًا وإما يكون طرفًا يُغذى الفتنة، ثم يتظاهر بالبراءة، وأخطر ما فى «التحيز المبكر» أنه لا يكتفى بتشويه شخص، بل يُفسد فكرة العدالة نفسها، ويُسمى مشتبهًا بـ «قاتل» فى العنوان، فتُعدم سمعته بطلقة حبر، ثم إذا جاءت البراءة بعد ذلك، تكون يتيمة خجولة، لا تتصدر ولا تشارك، لأن الناس لا تحفظ من الحكايات إلا الجزء المثير منها، وهكذا نصنع عدالة من ضجيج، ونقيم محكمة من تعليقات، ونبحث عن أدلة فى مقطع مبتور، أو «مصدر» يروى بما يشتهى لا بما يعلم.
«ثابت» يرى أن فوضى البث المباشر جاءت لتضيف إلى الخطأ خطيئة أخرى، حيث تتسلل الكاميرا إلى أحزان الناس كما يتسلل اللص، وتقترب من بيت المجنى عليه، كأن الكارثة لا تكتمل إلا إذا خرجت على الهواء، وكأن ألم الضحية ناقص ما لم يُقدم «لايف» مع عنوان أحمر، منوهًا إلى أن وقف هذا الانحدار، لن يكون بالشعارات، بل بقواعد صارمة تُحترم لأنها مُلزمة.
ويشير إلى أن من بين القواعد الصارمة، معرفة أن اللغة أول العدالة بمعنى أنه لا «قاتل» ولا «مجرم» قبل الحكم النهائى، وأن هناك «مشتبهًا به» و«متهمًا»، وأن الخبر لا يزدوج الرأى، فالتحليل بعد اكتمال المعطيات، وبصيغة احتمالية لا يقينية، وغاية التحليل شرح الإجراءات لا توزيع الأحكام، كما أنه يجب ضبط البث المباشر، أى لا بث من مواقع الحوادث إلا بإذن تحرير مسئول، مع قواعد واضحة، ولا وجوه مصابين، ولا أطفال، ولا دماء، وإذا اضطررت، فالتمويه واجب لا ترف، إلى جانب حظر نشر صور الضحايا والبيانات الكاشفة للهوية فى القضايا الحساسة، وحظر مطلق فى حالات القصر، ولا بد من توثيق المصدر قبل تسويق المعلومة.
وترى الدكتورة ثريا البدوى، عضو مجلس النواب: إن صفحات الحوادث والجرائم، بالإضافة إلى الدراما، تحكى تفاصيل الجريمة وكأنها تعلّم المجرم خطوات ارتكابها، وتتناول الحدث الإجرامى بالتفصيل فى المسلسل، وفى آخر 3 دقائق العقوبة، مشددة على أنه لا بد من عرض النماذج الإيجابية، والتركيز على قيم المجتمع، وإعلاء الجانب الدينى، وهو ليس مرتبطًا بالعبادات فقط إنما بالمعاملات، لذلك دور المؤسسات الدينية والصحافة والإعلام ضرورى، مشيرة إلى أنه يجب أن يكون لدينا نوع من المسئولية الذاتية تجاه بلدنا، وأننا فى حاجة لأن تكون أكثر تطورًا، مع ضرورة عمل حملات إعلامية توعوية وطنية لرفع الوعى.
الإعلامية رانيا هاشم، تقول إن خطورة بعض التغطيات الصحفية ليست فى سرعة نشر الخبر، بل فى سرعة إصدار الأحكام، فقد أصبحت منصات إعلامية كثيرة تتعامل مع الحوادث كسباق للوصول إلى الـ «ترند»، ولو كان الثمن هو تشويه سمعة أشخاص لم تثبت إدانتهم بعد، أو إلحاق أذى نفسى بالمجنى عليه قبل أن ينال حقه، مؤكدة أنه لا بد من معرفة أن ما تحتاجه الساحة اليوم هو إعلام مهنى يضع كرامة الإنسان فوق نسب المشاهدة، ويحترم أن العدالة تبدأ من التحقيق، لا من الـ «ترند».
وتوضح هاشم، أن التصدى لهذه الفوضى يكون بعدة أمور: أولها: وقف البث المباشر فى قضايا لم تبدأ تحقيقاتها بعد، والالتزام بالبيانات الرسمية فقط. ثانيها: منع نشر صور المجنى عليهم دون إذن واضح وصريح من ذويهم أو الجهات المختصة، وثالثها: فرض ميثاق شرف إعلامى مُلزم، وليس مجرد توصيات، وتوقيع عقوبات على الصحف والمنابر المخالفة، ورابعها: تدريب الصحفيين على مفهوم الإعلام المسئول من نقل الوقائع لا صناعة الأحكام، وخامس ذلك: تشجيع الجمهور على عدم مشاركة محتوى مسىء أو غير موثق، فالجزء الأكبر من الانتشار يقع على عاتق المتلقين، والحقيقة أن الإعلام ليس محكمة، والصحفى ليس قاضيًا، والحقيقة لا تُصنع على عجلة.
الدكتورة نجوى كامل، أستاذ الصحافة بكلية إعلام جامعة القاهرة، تقول: إن المشكلة الأكبر فى السوشيال ميديا أنها لا تضمن أى ضوابط، كما أن الصحفيين والإعلاميين على وعى بأن التداول والمشاركة فى نشر الفيديوهات المسيئة لطرفى الحادث خطأ ومخالف للقواعد المهنية، ومع ذلك يتناقلونها، لذا لا بد أن يكون هناك عقاب، وأن تحاسب نقابة الصحفيين هذه المواقع الصحفية المخالفة لأخلاقيات نشر أخبار الجريمة والحوادث.
فى هذا الإطار، تشدد الدكتورة سهير صالح، عميد المعهد الدولى العالى لإعلام الشروق وأستاذ الإعلام التربوى بجامعة القاهرة، على أن صحافة المواطن هى التى تسببت فى انتشار البث المباشر على مواقع التواصل الاجتماعى، وبعض الصحفيين ركضوا وراء هذه الموجة، وهذه ضريبة السوشيال ميديا بأثرها السلبى، قائلة: «من الضرورى تدريس مفهوم التربية الإعلامية الآن فى المدارس والجامعات لدينا، بحيث ينتقى الشخص ما يشاهد، وأن يشاهد بشكل ناقد أى محتوى يراه، فلا يمكن مواجهة الفضاء المفتوح بالحذف أو بالرقابة».






