الخميس 19 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

من الغياب إلى صدارة القرارات الرئاسية

«المحليات» تُعزز الرقابة الشعبية فى مواجهة الفساد والبيروقراطية

من الدستور إلى البرلمان



رحلة قانون المحليات المؤجل وتفاصيل المسار التشريعى منذ 2016

 

تتصدر انتخابات المجالس المحلية، أجندة العمل السياسى خلال العام الجارى، وذلك بعد 15 عامًا من الغياب، إذ تعد “المحليات” واحدة من أهم أدوات تفعيل الرقابة الشعبية، وتعزيز المشاركة المجتمعية فى صنع القرار.

يأتى ذلك الحراك السياسى، فى إطار ترسيخ مسار الإصلاح المؤسسى، واستكمالًا للاستحقاقات الدستورية، بإجراء انتخابات المجالس النيابية بغرفتيها “النواب والشيوخ”، وتنفيذًا للتكليفات السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى، والتى شدد خلالها على ضرورة الإسراع بتشكيل المجالس المحلية المنتخبة، لإعادة الحياة إلى منظومة الإدارة المحلية، بما يسهم فى فتح قنوات تواصل مباشرة بين المواطن والأجهزة التنفيذية.

انتخابات المحليات، تعتبر خطوة محورية نحو تمكين المواطنين من متابعة أداء المسئولين على مستوى المحافظات والمدن والقرى، إلى جانب رصد أوجه القصور فى الخدمات والمرافق، فضلًا عن دعم خطط التنمية على أسس أكثر شفافية وكفاءة.

ومع تصاعد وتيرة الاستعدادات الحزبية والمجتمعية، يتوقع أن يشهد العام الجارى، حراكًا سياسيًا واسعًا، يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية هذا الاستحقاق فى استكمال بنية الدولة الديمقراطية، وتعزيز آليات التواصل الميدانى، بما يحقق تطلعات المواطنين نحو إدارة محلية أكثر فاعلية واستجابة لاحتياجاتهم اليومية، إذ تمثل المجالس المحلية مدرسة سياسية حقيقية لإعداد كوادر جديدة، قادرة على الانخراط فى العمل العام، وترسيخ ثقافة المساءلة والمشاركة.

تشهد الساحة البرلمانية تحركات مكثفة داخل مجلسى النواب والشيوخ، لإعادة طرح ومناقشة مشروع قانون الإدارة المحلية، فى إطار السعى لاستكمال أحد أبرز الاستحقاقات الدستورية المؤجلة منذ إقرار دستور 2014، تمهيدًا لإجراء انتخابات المجالس المحلية المنتخبة.

وظهر هذا بوضوح خلال اجتماع اللجنة البرلمانية المشتركة من لجنة الإسكان والإدارة المحلية بمجلس الشيوخ، بالاشتراك مع مكتبى لجنتى التضامن الاجتماعى، والشئون الدستورية والتشريعية، لمناقشة اقتراح برغبة بشأن الإسراع فى تشكيل المجالس المحلية.

تنسيق بين الغرفتين

الدكتور أحمد شعراوى، رئيس لجنة الإسكان والإدارة المحلية بمجلس الشيوخ، يؤكد أن غرفتى البرلمان تعملان بالتوازى للانتهاء من مشروع القانون، موضحًا أن لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب تناقش المشروع فى الوقت ذاته، فيما أعدت وزارة التنمية المحلية مشروعًا متكاملًا سيتم عرضه وفق الإجراءات الدستورية.

«شعراوى»، يوضح أن ملف الإدارة المحلية يمثل محورًا رئيسيًا ضمن خطة عمل اللجنة، مشددًا على أهمية التوصل إلى صيغة متوازنة تحظى بتوافق سياسى واسع وتكون قابلة للتطبيق، تمهيدًا لإجراء الانتخابات المحلية عقب صدور القانون.

عقبات دستورية

النائب طارق عبدالعزيز، وكيل لجنة الشئون الدستورية والتشريعية بمجلس الشيوخ، وصف مشروع قانون المجالس المحلية، بــ «الولادة المتعثرة»، مشيرًا إلى وجود تحديات دستورية تعرقل التوافق حول قانون انتخابات المجالس المحلية.. وقال: «إن من بين أبرز هذه التحديات نصوصًا دستورية تتعلق بنسبة 50% عمال وفلاحين»، متسائلًا عما إذا كانت الحاجة تقتضى تعديلًا دستوريًا أم إعادة النظر فى التعريفات الواردة بقانون مباشرة الحقوق السياسية، مؤكدًا أن التعريفات الحالية قد تثير إشكاليات عملية فى تطبيق القانون على أرض الواقع.

وكيل «دستورية الشيوخ»، يشير إلى أن مشروعًا سابقًا نوقش عام 2020 لم يحظ بالتوافق السياسى الكافى، مؤكدًا أن إصدار القانون يتطلب إرادة سياسية وتشريعية واضحة، خاصة فى ظل التوجيهات الصادرة بمناقشة آليات انتخابات المجالس المحلية.

استحقاق دستورى

بدوره، يشدد النائب عبدالهادى القصبى، رئيس لجنة حقوق الإنسان بمجلس الشيوخ، على أن تشكيل المجالس المحلية يمثل استحقاقًا دستوريًا نصت عليه المادة «242» من الدستور، والتى تقضى بتطبيق نظام الإدارة المحلية الجديد تدريجيًا.

«القصبى»، يوضح أن الضوابط الدستورية المنظمة لانتخابات المجالس المحلية، تتضمن تخصيص 25% للشباب، و25% للمرأة، و50% للعمال والفلاحين، مع تمثيل مناسب لذوى الإعاقة، إلى جانب ضمان موازنات مستقلة للوحدات المحلية، وحظر حل المجالس بقرار إدارى، منوهًا إلى أن المجالس المحلية المنتخبة تمثل آلية دستورية لتعزيز الرقابة الشعبية ودعم المشاركة السياسية على المستوى المحلى.

ضرورة وأمن قومى

من جهته، يعتبر النائب ناجى الشهابى، أن تشكيل المجالس المحلية ضرورة خدمية ودستورية، فضلًا عن كونها أداة مباشرة لحماية الأمن القومى ومنع أى فراغ سياسى على المستوى المحلى.

واقترح الاستفادة من مشروع قانون سبق مناقشته خلال الفصل التشريعى الأول بمجلس النواب، معتبرًا أنه تضمن رؤية متكاملة يمكن البناء عليها للوصول إلى توافق نهائى.

مسلسل تأجيل

منذ إقرار دستور مصر 2014، ظل قانون الإدارة المحلية أحد أبرز الاستحقاقات التشريعية المؤجلة، رغم النصوص الدستورية الواضحة التى ألزمت الدولة بتطبيق اللا مركزية تدريجيًا، ومنح المجالس المحلية المنتخبة صلاحيات رقابية واسعة.. وفى الوقت الذى يستمر فيه العمل بقانون نظام الإدارة المحلية رقم 43 لسنة 1979، فى انتظار صدور قانون جديد يتسق مع الفلسفة الدستورية الحديثة للحكم المحلى.

ومع انتخاب مجلس النواب نهاية عام 2015، طرح ملف الإدارة المحلية كأولوية على أجندة المجلس، وقدمت الحكومة وعدد من النواب مشروعات قوانين تضمنت توسيع صلاحيات المحافظين، ومنح المجالس المحلية أدوات رقابية قد تصل إلى سحب الثقة من رؤساء الوحدات المحلية، إضافة إلى الالتزام بنسب تمثيل الشباب والمرأة وذوى الإعاقة والعمال والفلاحين.

المناقشات داخل لجنة الإدارة المحلية، كشفت عن تباين فى الرؤى بشأن حدود اللا مركزية، ومدى الاستقلالين المالى والإدارى الممكن منحها للوحدات المحلية.

وخلال الفترة من 2017 إلى 2019، عقدت لجنة الادارة المحلية، جلسات استماع موسعة لمناقشة مواد مشروع القانون، خاصة ما يتعلق بالفصل بين الدورين التنفيذى والرقابى، وإعادة توزيع الاختصاصات بين الوزارات والمحافظات، وتعزيز الموارد الذاتية للمحليات.

ورغم إعلان اللجنة فى 2019، الانتهاء من مناقشة مواد المشروع، فلم يدرج القانون على جدول الجلسة العامة للتصويت النهائى، فى ظل استمرار الحاجة إلى توافق حول بعض المواد الجوهرية، جاء ذلك بعد مناقشة تقرير اللجنة المشتركة من لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب، ومكتبى لجنة الشئون الدستورية والتشريعية، والخطة والموازنة، عن مشروع قانون مقدم من الحكومة بشأن بإصدار قانون نظام الإدارة المحلية.

مع بدء الفصل التشريعى الجديد فى 2021، عاد الحديث مجددًا عن أولوية إصدار قانون الإدارة المحلية، وسط تأكيدات بأن المشروع يخضع لمراجعات نهائية لضمان اتساقه مع خطط الإصلاح الإدارى والتحول الرقمى.

كما ارتبط النقاش، بملفات تطوير الجهاز الإدارى للدولة، وميكنة الخدمات المحلية، باعتبارها عناصر أساسية فى أى منظومة لا مركزية حديثة.

لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب، أكدت فى 28 يناير 2024، أن اللجنة تنتظر تقديم الحكومة مشروع قانون الإدارة المحلية رسميًا، مشيرًا بعد جلسات حوار موسعة أُنجزت داخل البرلمان، وحتى الآن لم يعرض مشروع قانون الإدارة المحلية الجديد على الجلسة العامة لمجلس النواب، ولم يحدد موعد رسمى لمناقشته وإقراه.

القانون فى صدارة الأولويات

يعود ملف قانون الإدارة المحلية، إلى صدارة المشهد التشريعى فى مصر، باعتباره أحد الاستحقاقات الدستورية المؤجلة، والمرتبطة بتفعيل اللا مركزية وتمكين المحافظات والمراكز والقرى من إدارة شئونها بصورة أكثر استقلالًا.

ومنذ عام 2016، ناقش مجلس النواب، عدة مشروعات لقانون الإدارة المحلية، تضمنت مقترحات بنظام انتخابى مختلط يجمع بين القائمة والفردى، وإنشاء صندوق للتنمية المحلية، وتوسيع صلاحيات المحافظات فى إعداد الموازنات، إضافة إلى منح المجالس المحلية أدوات رقابية أكثر فاعلية.

ورغم طرح أكثر من مسودة، فلم يصدر القانون حتى الآن، فى ظل استمرار المناقشات حول آليات التطبيق وضمانات التدرج فى نقل الصلاحيات.

توصيات «الحوار الوطنى»

وفى سياق متصل، أوصت لجنة الإدارة المحلية، ضمن أعمال الحوار الوطنى بالإسراع فى إصدار القانون الجديد، وتنظيم انتخابات المجالس المحلية، مع وضع جدول زمنى واضح لتطبيق اللا مركزية.

كما شددت التوصيات، على ضرورة تفعيل اللا مركزية المالية، ومنح الوحدات المحلية صلاحيات أوسع فى إعداد الموازنات، وتمكينها من تحصيل بعض الموارد الذاتية، إلى جانب تبنى نظام انتخابى يضمن التوازن بين القوائم والفردى، والالتزام بالنسب الدستورية للفئات الممثلة.

ويشكل قانون الإدارة المحلية فى مصر، أحد أهم التشريعات المتعلقة بتنظيم علاقة الدولة بالمواطنين على المستوى المحلى، ويعد أساسًا لإدارة المحافظات والمدن والقرى، وتقديم الخدمات الأساسية، كما ينظر إليه كركيزة أساسية لتحقيق اللا مركزية والتنمية المحلية.