نيران الصواريخ والمسيرات تحرق إمدادات الطاقة العالمية
ابتهال مخلوف
يحبس العالم أنفاسه منذ اندلاع الهجوم العسكرى الأمريكى الإسرائيلى المشترك ضد إيران، المسمى «عملية الغضب الملحمي»، شاخصًا ببصره نحو مضيق هرمز- باب الشرق السحرى كما أُطلق عليه قديمًا- ذلك الممر الملاحى الاستراتيجى الضيق، شريان الحياة لحركة التجارة العالمية، خاصة النفط والغاز الطبيعى المسال.
ويُعد مضيق هرمز، الواقع بين سلطنة عمان وإيران، ممرًا حيويًا لعبور النفط الخام العالمى ونقطة اختناق محتملة، حيث يمر عبره نحو 13 مليون برميل يوميًا، أى ما يعادل 31 % تقريبًا من إجمالى تدفقات النفط العالمية، ومع تضارب الأنباء بشأن إغلاق طهران رسميًا المضيق فى وجه الملاحة العالمية، انخفضت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز بشكل حاد بعد الضربة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.
«هجمات بمسيّرات إيرانية»
وأظهرت منصة تتبع السفن «مارين ترافيك» انخفاضًا بنسبة 70 % فى حركة السفن عبر مضيق هرمز، ما أثار مخاوف بشأن إمدادات النفط العالمية وسلامة ناقلات النفط المارة عبره، ناهيك عن أن طهران نفذت تهديدها، حيث تعرضت ناقلة النفط «سكاى لايت» المسجلة فى بالاو، على بعد 5 أميال بحرية قبالة سواحل شبه جزيرة مسندم فى سلطنة عمان، لهجوم بطائرة مسيّرة إيرانية، ما أدى إلى إصابة 4 أشخاص.
كان قد أرسل الحرس الثورى الإيرانى رسائل عبر جهاز اللاسلكى VHF إلى السفن لإبلاغها بمنع عبور أى سفينة للمضيق، فضلًا عن أن العديد من كبار التجار اعتبروا التهديدات الإيرانية جدية، وأوقفوا جميع شحناتهم عبر المضيق، كما علّقت شركات الشحن شحناتها وغيّرت مسارات ناقلاتها خشيةً على السلامة.
وذكر ديميتريس أمباتزيديس، كبير محللى المخاطر والامتثال فى شركة «كيبلر»، الشركة الأم لـ«مارين ترافيك»، لصحيفة «نيويورك تايمز»، أن السعودية والعراق والإمارات وقطر هى الأكثر عرضة لتأثير إغلاق المضيق، إذ يمر عبره معظم صادراتها من النفط الخام والغاز الطبيعى المسال.
«توقعات بارتفاعات حادة»
ومع انخفاض حركة الملاحة فى مضيق هرمز، من المتوقع ارتفاع أسعار النفط فى الأيام المقبلة فى حال تصاعد الصراع وحدوث المزيد من الاضطرابات، فوفقًا لبيانات الملاحة الدولية، يمر عبر المضيق يوميًا نحو 30 % من النفط ومشتق nation›s المتداولة عالميًا من دول مثل السعودية والكويت والعراق وإيران.
وإذا منعت إيران مرور ناقلات نفط دول الخليج العربى إلى الصين وأوروبا والولايات المتحدة وغيرها من كبار مستهلكى الطاقة، فسيشهد السوق ارتفاعًا حادًا فى أسعار النفط، ما يزعزع استقرار الاقتصاد العالمي، وإذا استمرت الحرب لفترة طويلة، فمن المرجح أن يرتفع سعر النفط إلى نحو 100 دولار للبرميل، مع حدوث اضطرابات فى سلاسل الإمداد وضغوط اقتصادية أوسع فى العالم.
وقد يؤدى إغلاق المضيق إلى رد بحرى أمريكي، ما يجعل الموانئ الإيرانية عرضة للخطر، وانخفاض تصدير النفط الخام الإيراني، حيث تصدر نحو 1.65 مليون برميل يوميًا من النفط الخام ومكثفات الغاز، إذ تعد إيران رابع أكبر دولة فى العالم من حيث احتياطيات النفط المؤكدة، حيث تمتلك ما يصل إلى 170 مليار برميل، أى ما يعادل 9 % من إجمالى النفط الخام العالمي، لتأتى فى المرتبة الثالثة عالميًا من حيث احتياطيات النفط، بعد فنزويلا والسعودية، كما تمتلك ثانى أكبر احتياطيات من الغاز بنحو سدس الاحتياطى العالمي.
«هزات عالمية»
وسيمتد كابوس إغلاق مضيق هرمز عالميًا، إذ يؤثر على دول مثل الصين واليابان والهند وكوريا، مع تأثير أقل على الإمدادات المتجهة إلى الولايات المتحدة وأوروبا، مع توقعات بأن تطال موجة ارتفاع الأسعار جميع دول العالم، بل ويضاعف من التأثير سيطرة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، على النفط الفنزويلي، ما يعنى أن كبار المستوردين، مثل الهند والصين، قد يضطرون إلى الاعتماد على روسيا لتوفير المزيد من إمدادات النفط الخام.
وفى المياه، توقفت عشرات السفن على جانبى مضيق هرمز بسبب التهديدات الإيرانية باستهدافها، كما أظهرت بيانات الشحن أن أكثر من 150 سفينة، منها ناقلات النفط الخام والغاز الطبيعى المسال، توقفت فى المياه المفتوحة فى الخليج العربى خارج المضيق، ناهيك عن شركات يابانية كبرى أوقفت عبور سفنها من المضيق حفاظًا على سلامة الطواقم والحمولة، مع بقائها فى مناطق أكثر أمانًا حتى تحسن الأوضاع، علاوة على تعليق مجموعة «هاباج لويد» الألمانية للشحن مرور السفن تمامًا عبر المضيق حتى إشعار آخر بسبب تطورات الوضع الأمنى فى المنطقة.
«شركات التأمين والإغلاق»
امتد التهديد إلى تكلفة تأمين السفن، إذ أبلغت شركات التأمين العالمية مالكى السفن أنها ستُلغى وثائق التأمين وترفع أسعار التغطية للسفن العابرة للخليج العربى ومضيق هرمز بعد اشتعال الوضع فى المنطقة، حيث أفاد وسطاء لصحيفة «فايننشال تايمز» أن شركات التأمين ضد مخاطر الحرب قدمت إشعارات إلغاء لوثائق التأمين التى تغطى السفن العابرة لهذا الممر النفطى الحيوي، مع توقعات بارتفاع الأسعار بنسبة تصل إلى 50% خلال الأيام المقبلة.
ونقلت دورية «فورين آفيرز» عن ديلان مورتيمر، رئيس قسم تأمين هياكل السفن الحربية فى المملكة المتحدة لدى شركة الوساطة مارش، أن تكاليف التأمين قد ترتفع إلى النصف، فبالنسبة لسفينة قيمتها 100 مليون دولار، فإن ذلك يعنى زيادة من 250 ألف دولار إلى 375 ألف دولار للرحلة الواحدة.
وأوضح مورتيمر أن أكبر مخاوف مُصدرى وثائق التأمين هى احتمال إغلاق إيران لمضيق هرمز، مضيفًا أن شركات التأمين تأخذ فى الحسبان أيضًا احتمالية محاولة وكلاء إيرانيين الصعود إلى السفن والاستيلاء عليها، قائلًا: «إذا استمرت إسرائيل والولايات المتحدة فى ضرب إيران، فمن المرجح أن تبدأ إيران فى محاولة استغلال نفوذها عبر التلاعب بحركة الملاحة فى المنطقة».
وتوقع خبراء أنه بعد إلغاء الوثائق، أن تعيد شركات التأمين التفاوض على التغطية بأسعار أعلى، بدلًا من رفض تغطية السفن المتجهة إلى المنطقة.






