رمضان العالم
هلال لا يغيب.. جولة فى ذاكرة الشعوب وموائد الأوطان
ابتهال مخلوف
يحتفل نحو مليارى مسلم فى العالم بشهر رمضان الكريم، الذى يتلألأ هلاله على العالم فى ظل صراعات وحروب وطغيان التكنولوجيا، رغم ذلك ما زالت تقاليد ومظاهر الاحتفال المتنوعة تمنح المسلمين فسحة من البهجة والسعادة، فى مزيج إنسانى فريد.
من التقاليد الرمضانية الراسخة فى العالم رؤية الهلال، الذى يُعلن بداية الشهر الجديد، وصارت رؤية هلال رمضان تعتمد على الحسابات الفلكية مع الرؤية الشرعية مثل جنوب إفريقيا، حيث ينظم المجلس الإسلامى احتفالية رؤية الهلال بالعين المجردة على شواطئ مدينة كيب تاون على المحيط الأطلنطى للإيذان ببدء الصيام.
ولليلة الرؤية فى الهند أهمية خاصة، إذ كان يسعى القضاة الشرعيون فى كل مقاطعة للمناطق المرتفعة للتثبت من رؤية الهلال بالعين، وحديثًا تشكلت لجان شرعية تجمع بين رؤية العين والحسابات الفلكية.
المسحراتى
من التقاليد الرمضانية الشهيرة فى الدول الإسلامية خاصة مصر، المسحراتى الذى يجوب الشوارع يقرع طبلته لإيقاظ الناس للسحور، والطريف أنه ينشد أغانى تحمل أسماء أهل الحى ما يشعرهم خاصة الأطفال بالسعادة.
هذا التقليد، يعود إلى القرن السابع الميلادى، حين كان أحد صحابة النبى محمد صلى الله عليه وسلم يطوف الشوارع عند الفجر، مُنشدًا الأدعية العذبة ليستيقظ المسلمون من نومهم استعدادًا للصيام، وهو بلا شك أحد أجمل تقاليد رمضان فى مصر.
وفى المغرب العربى يطلق عليه «النفار» وهو يرتدى الزى المغربى التقليدى وينشد التواشيح الدينية لإيقاظ سكان الحى لوجبة السحور وصلاة الفجر.
بينما فى تركيا، لا يزال ينتشر فى بعض المدن القديمة تقليد يعود للدولة العثمانية، كان فيه الأتراك يستيقظون للسحور بواسطة جوقة من عازفى الطبول الذين يرتدون الطربوش والملابس العثمانية.

وفى الهند، تتمتع «دلهى» بتقليد رمضانى ينتمى لحكم المغول وهو «الساهرى» الذى يماثل المسحراتى فى مصر، حيث يجوب منشدون الأحياء قبل الفجر ويطرقون على البيوت بالعصى لإيقاظ المسلمين للسحور.
وفى العديد من الدول العربية، تُطلق المدافع عند غروب الشمس خلال شهر رمضان المبارك للإعلان عن موعد الإفطار، إذ امتد مدفع رمضان، أشهر المظاهر الرمضانية فى مصر لدول عديدة مثل لبنان والبوسنة والهرسك، حيث ينطلق من القلاع والمناطق التاريخية إيذانًا بغروب الشمس أو بدء الامتناع عن الأكل فى السحور.
بدأ هذا التقليد فى مصر منذ قرون خلال حكم السلطان العثمانى «خوشقدم» بطريق الخطأ، بإطلاق مدفع فى القاهرة عند غروب الشمس فانبهرت ابنته فاطمة وحثته فى إطلاق المدفع سنويًا كتقليد للإعلان عن الإفطار.
الأطفال ورمضان
ويتمتع الأطفال فى العالم الإسلامى بشهر رمضان ما بين فوانيس رمضان خاصة فى مصر، وذكريات أول يوم صيام لهم والقريقعان فى الخليج العربى، إذ تحتفل الدول الخليجية خاصة الكويت والسعودية أو الإمارات منتصف رمضان بيوم «القريقعان» الذى يرتدى فيه الأطفال ملابس تقليدية وينطلقون فى أحيائهم حاملين أكياسًا صغيرة ويهزجون بأناشيد تقليدية تطلب من الكبار الحلوى والمكسرات.
وفى المغرب، تحرص الأسرة على تشجيع الأطفال لصيام شهر رمضان، وتحتفى بأول صيام لهم من خلال تقليد عريق يقام يوم 26 رمضان أى «ليلة القدر» يرتدى فيه الأطفال الملابس التقليدية وتحمل الفتيات على الهودج بينما يمتطى الأولاد الخيل فى عرس جماعى، وعند الانتهاء من الأكل تفرغ على رأس الطفل الحلويات والمكسرات، كرمز للبركة.

وفى الجزائر، يفطر الطفل فى أول يوم كامل يصومه على ماء معطر بماء الزهر والسكر والقرفة ويرتوى بالحليب ويهدى خاتمًا من الفضة.
جنوب شرق آسيا
ولرمضان بريق خاص فى جنوب شرق آسيا، حيث موطن دول ذات أغلبية مسلمة مثل إندونيسيا أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان فى العالم، حيث يقدر عدد المسلمين فيها بنحو 240 إلى 249 مليون نسمة، ويحرص مسلموها على تناول وجبة الإفطار مع العائلة والأصدقاء، وتتسم مائدة إندونيسيا الرمضانية بحساء «بويور» وحلوى «كولاك» المكونة من حليب جوز الهند والموز أو البطاطا.
وفى إندونيسيا، تختلف طقوس رمضان باختلاف المناطق، ففى مقاطعة آتشيه المحافظة، تذبح الأضاحى وتوزع على الأهل والأصدقاء والفقراء.
ويتوافد مئات السكان فى تانجيرانج، المدينة الواقعة خارج العاصمة جاكرتا، إلى نهر سيسادان لغسل شعرهم بشامبو قش الأرز، مُرحّبين بشهر الصيام بتطهير روحى رمزى.
وفى جزر جاوة بإندونيسيا يرتبط شهر رمضان بطقس احتفالى يعود لجماعات صوفية، حيث تنتشر البحيرات التى تشهد احتفالات «بادوسان» أى الاغتسال، حيث يتطهر أبناء الجزر قبل حلول الشهر الكريم فى مياه البحيرات.
الصين
تضم الصين 21 مليون مسلم من مختلف المجموعات العرقية، بما فى ذلك الأويغور والقرغيز والكازاخ والأوزبك، واحتفالًا برمضان تتزين شوارع فى العاصمة بكين بالأعلام الوطنية والفوانيس الحمراء.
تحرص المساجد فى الصين خلال شهر رمضان على فتح أبوابها أمام المسلمين وغير المسلمين من أجل تعريفهم بالدين الإسلامى، وتعود صلة الصين بالإسلام والمسلمين إلى عصر الخلفاء الراشدين.
ومن أقدم المساجد فى بكين عاصمة الصين، نجد مسجدى «نيوجيه»، الذى بنى منذ ما يقرب من 1000 عام، ومسجد «دونج سى» الذى يعود تاريخ بنائه إلى 500 عام. وتتميز مائدة إفطار مسلمى الصين بالمكسرات ولحوم الضأن.
ألبانيا
منذ عهد الإمبراطورية العثمانية، دأبت مجتمعات الروما المسلمة فى ألبانيا على الاحتفال برمضان بطريقتها الخاصة، حيث يُعلن عن بدء الصيام والإفطار على أنغام الأغانى الشعبية التقليدية.
يتجول السكان المحليون فى الشوارع وهم يعزفون على طبولهم (اللودراس)، وهى طبول منزلية الصنع ذات طرفين مصنوعة من جلد الماعز أو الغنم، ويحتفل بعض العائلات المسلمة ببدء الإفطار بدعوة عازفى الطبول لعزف الألحان فى منازلهم.






