الأربعاء 11 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

خبراء: مصر قادرة على التعامل مع الأزمات ولديها خبرة طويلة على تجاوزها

أى تصعيد عسكرى فى الخليج يضع أسعار النفط والغاز فى دائرة الاشتعال، خصوصًا إذا تأثرت حركة الملاحة فى الممرات الحيوية.



ارتفاع أسعار الطاقة يعنى زيادة فاتورة الاستيراد، وضغطًا إضافيًا على الموازنة والدعم، فضلًا عن انعكاساته على تكلفة الإنتاج والنقل.

لكن فى المقابل، تمتلك مصر أوراق قوة مهمة، أبرزها تنامى قدراتها فى إنتاج الغاز الطبيعى وتحولها إلى مركز إقليمى للطاقة، بما يخفف جزئيًا من أثر تقلبات الأسواق العالمية.

كما أن سياسات ترشيد الاستهلاك وتنويع مصادر الطاقة تمنح الاقتصاد قدرًا من المرونة فى مواجهة الصدمات.

الغذاء.. اختبار جديد للأمن الاستراتيجى

الحروب عادة ما تدفع أسعار الحبوب والزيوت والشحن البحرى إلى الارتفاع، خاصة إذا اتسعت رقعة التوتر أو تعطلت سلاسل الإمداد.

ومصر، باعتبارها من أكبر مستوردى القمح عالميًا، قد تواجه موجة جديدة من الضغوط التضخمية.

إلا أن الدولة خلال السنوات الأخيرة وسّعت من قدراتها التخزينية، ورفعت الاحتياطى الاستراتيجى من السلع الأساسية، إلى جانب تنويع مصادر الاستيراد والتوسع فى المشروعات الزراعية الكبرى. 

هذه السياسات تمنح صانع القرار مساحة حركة أكبر، وتقلل من احتمالات الاضطراب الحاد فى الأسواق المحلية.

قناة السويس

التصعيد العسكرى فى المنطقة قد يؤثر على حركة الملاحة الدولية، سواء بارتفاع تكاليف التأمين أو بتغيير مسارات بعض السفن. وهنا تبرز حساسية الوضع بالنسبة لقناة السويس، أحد أهم مصادر النقد الأجنبى لمصر.

فى حال تصاعد المخاطر الأمنية، قد تتراجع بعض الإيرادات مؤقتًا، لكن القناة تظل الممر الأقصر والأكثر كفاءة بين الشرق والغرب. 

السياحة والملاذات الآمنة

المنطقة بأكملها قد تتأثر نفسيًا بالتصعيد، ما ينعكس على قرارات السفر والاستثمار. قطاع السياحة المصري، الذى شهد تعافيًا ملحوظًا، قد يواجه تباطؤًا مؤقتًا حال اتسعت دائرة التوتر.

لكن مصر تتمتع بميزة نسبية تتمثل فى استقرارها الأمنى الداخلى وتنوع مقاصدها السياحية. ومع إدارة إعلامية واقتصادية رشيدة، يمكن الحفاظ على ثقة الأسواق، خاصة إذا ظلت البلاد بعيدة عن بؤر الاشتباك المباشر.

أما على صعيد الاستثمارات، فإن أوقات الأزمات تعيد توجيه رءوس الأموال نحو الأسواق التى تتمتع بحجم كبير وقاعدة استهلاكية واسعة وموقع استراتيجي، وهى عناصر لا تزال مصر تملكها بقوة.

الفرصة داخل الأزمة

وعلى الرغم من صعوبة المشهد، فإن كل أزمة تحمل فى طياتها فرصة. فالتوترات الإقليمية تعيد ترتيب خرائط الطاقة والتجارة، وقد تفتح المجال أمام تعزيز دور مصر كمركز لوجستى وصناعى إقليمي، خاصة فى ظل التحولات العالمية نحو تقصير سلاسل الإمداد والبحث عن بدائل آمنة.

التحدى الحقيقى يكمن فى إدارة الصدمة بمرونة: ضبط الأسواق، حماية الفئات الأكثر تأثرًا، تسريع الإنتاج المحلي، وجذب استثمارات نوعية تستفيد من إعادة تشكيل النظام الاقتصادى العالمي.

أبرز التداعيات

من جانبه أكد الدكتور وليد جاب الله، الخبير الاقتصادي، أن الحرب الأمريكية - الإسرائيلية ضد إيران تمثل تطورًا مؤثرًا فى مسار الاقتصاد العالمى والأسواق الدولية، لما تحمله من تداعيات مباشرة على أسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية. 

وأشار “جاب الله” إلى أن المشهد الحالى ليس بعيدًا عن تجربة سابقة تمثلت فى حرب الأيام الاثنى عشر التى استهدفت منشآت نووية إيرانية، والتى كان تأثيرها محدودًا وتمكن الاقتصاد العالمى من امتصاصه. 

واعتبر أن السيناريو المتفائل يتمثل فى بقاء المواجهة لفترة قصيرة تمتد لأيام معدودة، بما يسمح للأسواق بالتكيف السريع دون اضطرابات ممتدة. أما فى حال استمرارها لأسابيع، فقد نشهد ارتفاعًا فى أسعار النفط يتجاوز حاجز 100 دولار للبرميل، مع زيادة تكاليف النقل وسلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية، ما ينعكس على أسعار الغذاء عالميًا.

كما لفت إلى أن استمرار التوتر قد يؤثر على إيرادات قناة السويس فى حال اتجاه بعض خطوط الشحن إلى مسار رأس الرجاء الصالح لتفادى المخاطر، إضافة إلى احتمالات تراجع إيرادات السياحة نتيجة الاضطرابات الإقليمية.

وعلى الصعيد المحلي، شدد الخبير الاقتصادى على أن الاقتصاد المصرى أثبت خلال السنوات الماضية قدرته على التعامل مع أزمات متلاحقة، بدءًا من تداعيات جائحة كورونا، مرورًا بالحرب الروسية–الأوكرانية، وصولًا إلى حرب غزة. وأكد أن مصر تمتلك حزمة من الأدوات التى تمكنها من الحد من الآثار السلبية المحتملة، حتى وإن ارتفعت تكلفة بعض البدائل.

وأوضح أن الدولة نجحت فى تعزيز منظومة الأمن الغذائى عبر إنشاء مشروعات ومناطق لوجستية وصوامع حديثة أسهمت فى رفع كفاءة إدارة المخزون الاستراتيجى من الحبوب والسلع الأساسية. كما أشار إلى أن الاحتياطى النقدى الأجنبى يتجاوز 52 مليار دولار، إلى جانب حصول مصر مؤخرًا على نحو 2.3 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، وهى مؤشرات تعزز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات والحفاظ على الاستقرار فى مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.

كيف تتأثر السياحة؟

أكد محمد كارم، خبير السياحة، على أهمية التحرك السريع لتأكيد أن مصر ليست طرفًا فى الصراع، وأن المقصد السياحى المصرى يتمتع بالأمن والاستقرار، موضحًا أن التأثير – إن حدث – سيكون محدودًا ومؤقتًا، وسيقتصر على تباطؤ الحجوزات السريعة وليس الإلغاءات الجماعية.

وأوضح أن التأثير المحتمل قد يطال الحجوزات قصيرة المدى فى بعض الأسواق مثل السوق الأمريكى وشرق آسيا، لكنه لن يمتد إلى موجة تراجع واسعة، خاصة فى ظل خبرة مصر الطويلة فى التعامل مع أزمات مشابهة وتجاوزها بنجاح. وأكد أن القطاع السياحى المصرى اعتاد إدارة التحديات باحترافية، ما يعزز قدرته على امتصاص أى تداعيات ظرفية.

وشدد كارم على ضرورة تكثيف رسائل الطمأنة إلى المجتمع الدولي، والتأكيد على أن مصر تنعم بالاستقرار الأمني، وأن موقعها الجغرافى والسياسى بعيد عن أى بؤر توتر مباشرة. كما دعا إلى توجيه اهتمام أكبر نحو السوق الروسية ودول شرق أوروبا، إلى جانب تنشيط السياحة الداخلية باعتبارها ركيزة داعمة فى أوقات التحديات.

وأكد أهمية توظيف أدوات الترويج الرقمى بذكاء وفعالية لإبراز تنوع المقاصد السياحية المصرية، مع مرونة أكبر من جانب شركات السياحة فى سياسات الحجز، وطرح حزم تحفيزية وتخفيضات مدروسة خلال الفترة المقبلة، بما يسهم فى الحفاظ على معدلات الإشغال وجذب شرائح جديدة من السائحين، وترسيخ صورة مصر كمقصد آمن ومستقر وجاذب على مدار العام.

من جانبه أكد د. عيد رشاد، أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة جامعة عين شمس، أنه مع اتساع نطاق المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تدخل المنطقة مرحلة شديدة الحساسية اقتصاديًا قبل أن تكون عسكريًا. فالتوتر فى الخليج ينعكس فورًا على أسواق الطاقة العالمية، خاصة مع ارتباط جزء كبير من تجارة النفط والغاز بمضيق هرمز. مجرد التهديد بتعطيل الملاحة يرفع ما يُعرف بـ»علاوة المخاطر» على الأسعار، فتقفز أسعار النفط والغاز، وترتفع تكاليف الشحن والتأمين البحري، ما ينعكس فى النهاية على تكلفة الإنتاج وأسعار السلع عالميًا.

بالنسبة لمصر، يمثل هذا التصعيد تحديًا مزدوجًا. أولًا، من ناحية الطاقة، فإن أى ارتفاع فى أسعار النفط والغاز يزيد من فاتورة الاستيراد ويضغط على الموازنة العامة وميزان المدفوعات، خاصة فى ظل سعى الدولة لاحتواء عجز الموازنة وتقليل الضغوط التضخمية. كما أن زيادة تكلفة الطاقة تؤثر فى تكاليف النقل والصناعة والكهرباء، ما قد يغذى موجة جديدة من التضخم المستورد.

ثانيًا، ملف الغذاء لا يقل حساسية. مصر من أكبر مستوردى الحبوب فى العالم، وأى اضطراب فى سلاسل الإمداد العالمية أو ارتفاع فى تكاليف النقل والتأمين ينعكس مباشرة على أسعار القمح والزيوت والسلع الأساسية. ومع ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، ترتفع كذلك تكلفة إنتاج الأسمدة ومدخلات الزراعة، ما يضيف ضغوطًا إضافية على أسعار الغذاء. وهنا يصبح التحدى الأساسى هو الحفاظ على استقرار الأسعار المحلية دون تحميل الموازنة أعباء غير محتملة.

أما قناة السويس، فهى إحدى أكثر القنوات عرضة للتأثر بالتصعيد. فزيادة المخاطر فى البحر الأحمر أو الخليج تدفع بعض شركات الشحن إلى إعادة توجيه مساراتها أو تقليل عدد الرحلات، كما ترتفع تكلفة التأمين على السفن العابرة. وهذا يعنى احتمالية تراجع إيرادات القناة، وهى مصدر حيوى للنقد الأجنبي. وفى وقت تحتاج فيه مصر إلى تدفقات دولارية مستقرة، فإن أى انخفاض فى عوائد القناة يمثل ضغطًا مباشرًا على الاحتياطى وسعر الصرف.

السياحة بدورها تتأثر سريعًا بعامل الاستقرار الإقليمي. حتى لو بقيت مصر بعيدة عن مسرح العمليات، فإن صورة المنطقة ككل تتأثر، وقد تتراجع الحجوزات من بعض الأسواق التقليدية. السياحة قطاع شديد الحساسية للأحداث الجيوسياسية، وأى توتر ممتد قد ينعكس على معدلات الإشغال والاستثمارات الجديدة فى القطاع.

فى المقابل، يتجه المستثمرون عالميًا فى أوقات الحروب إلى ما يُعرف بالملاذات الآمنة، مثل الذهب وبعض العملات القوية، ما قد يؤدى إلى خروج جزء من الاستثمارات من الأسواق الناشئة وارتفاع تكلفة التمويل الخارجي. وهذا يضع ضغوطًا إضافية على الاقتصادات التى تعتمد على تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية.

كيف تعبر القاهرة هذه العاصفة؟

المسار يتطلب مزيجًا من الإدارة الحذرة للسياسات المالية والنقدية، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر تضررًا، مع تسريع جهود توطين الصناعة وتقليل الاعتماد على الواردات الاستراتيجية قدر الإمكان. كما أن تنويع مصادر النقد الأجنبي، ودعم الصادرات، وجذب الاستثمارات الإنتاجية، تمثل أدوات أساسية لتقليل أثر الصدمات الخارجية.