الأربعاء 24 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

من يتحكم فى مصير الحرب؟

على عكس الصراعات السريعة التى هيمنت عليها التكنولوجيا فى أواخر القرن العشرين، تتجه المواجهة الحالية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل نحو حرب استنزاف طويلة الأمد، مبنية على الصمود، وعدم التكافؤ فى النفوذ، والضغط الاقتصادى، ويبدو أن إيران، على وجه الخصوص، قد استعدت لمثل هذا السيناريو لما يقرب من عقدين من الزمن - عسكريًا واستراتيجيًا وأيديولوجيًا، وشهدت العقيدة الدفاعية الإيرانية تطورًا ملحوظًا منذ مطلع الألفية الثانية، فبدلًا من محاولة مجاراة القدرات العسكرية الأمريكية بشكل متكافئ، استثمرت طهران فى أدوات غير متكافئة «الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، وتكنولوجيا الطائرات المسيرة، والقدرات السيبرانية، وشبكة من الحلفاء الإقليميين»، ويتجنب هذا النهج المواجهة التقليدية واسعة النطاق.



منطق الاستنزاف

وذكرت «إيكنوميك تايمز»، أن حرب الاستنزاف لا تقوم على القوة الساحقة؛ بل يتعلق الأمر بإرهاق الخصم سياسيًا واقتصاديًا ونفسيًا، وإحدى السمات المميزة للحرب الحديثة هى عدم التكافؤ فى التكاليف، فالأنظمة الدفاعية تعتمد على صواريخ اعتراضية باهظة الثمن لتدمير طائرات مسيرة أو قذائف قد لا تتجاوز تكلفتها عشرات الآلاف من الدولارات، ويرجح منطق الاستنزاف كفة الطرف المستعد لتحمل المشقة لفترة أطول والعمل بتكلفة أقل. وتستغل الاستراتيجية الإيرانية هذا الخلل تحديدًا، باستخدام أنظمة غير مكلفة نسبيًا لإجبار الدول على ردود دفاعية باهظة الثمن.

الضغط الاستراتيجى على الخليج

تأثير هذا الصراع على دول الخليج له بعد رئيسى، فالخليج لديه بنية تحتية حيوية للطاقة وممرات بحرية أساسية للاقتصاد العالمى، خاصة أن مجرد التهديد بتعطيل مضيق هرمز يؤدى إلى تقلبات فى أسواق النفط وتكاليف الشحن العالمية.

إلى جانب النفط، تعتمد دول الخليج اعتمادًا كبيرًا على محطات تحلية المياه وعلى الرغم من التطور التكنولوجى لهذه المنشآت، إلا أنها ثابتة جغرافيًا وعرضة للهجمات، فبالتالى حتى الاضطرابات المحدودة قد تسبب ضغوطًا إنسانية واقتصادية شديدة، وفى ظل اقتصاد عالمى مترابط، يمكن أن يحدث عدم الاستقرار الإقليمى الموجه آثارًا عالمية واسعة النطاق.

القوة الجوية فى مواجهة الواقع البرى

القوة الجوية وحدها نادرًا ما تحدث تغييرًا فى الأنظمة، التحول السياسى الدائم يتطلب انهيارًا داخليًا، وغزو إيران بريًا سيمثل مخاطر جسيمة نظرًا للجغرافيا، واحتمالية التصعيد الإقليمى، كما أن المعارضة السياسية الداخلية فى الولايات المتحدة لحروب برية مطولة تزيد من تعقيد هذا الخيار، مما يخلق صراعًا مطولًا فى منطقة رمادية بدلًا من تحقيق نصر حاسم.

نحو نظام متعدد الأقطاب

سواء تصاعد هذا الصراع أم لا، فإن النظام العالمى يتجه نحو مزيد من التعددية القطبية، وتتقلص هيمنة أى قوة منفردة بشكل متزايد بفعل الترابط الاقتصادى، وانتشار التكنولوجيا، والتحالفات الإقليمية لتحقيق التوازن.

وفى سياق متصل، أقر وزير الخارجية ماركو روبيو بأن إسرائيل أجبرت الولايات المتحدة على خوض الحرب مع إيران، موضحًا أن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو قد حاصرت إدارة ترامب فعليًا، وأخرجت القرار من أيدى الأمريكيين.

كما سلط معهد «الدراسات السياسية» الأمريكى الضوء على عدم رغبة إدارة «ترامب» فى كبح جماح تصرفات إسرائيل، حتى عندما أسفرت سياسات تلك الدولة عن هجمات أمريكية لا يؤيدها سوى أقلية ضئيلة من الشعب الأمريكى، ولا شك أن رئيس الوزراء الإسرائيلى وقادة إسرائيليين آخرين ضغطوا على الولايات المتحدة للانضمام إليهم فى مهاجمة إيران، فقد زار كل من نتنياهو ورئيس أركان الجيش الإسرائيلى واشنطن قبل أسابيع قليلة من الحرب. 

وفى الآونة الأخيرة، استقال جو كينت، مدير المركز الوطنى لمكافحة الإرهاب لمعارضته الحرب، حيث قال: «من الواضح أننا بدأنا هذه الحرب بسبب ضغوط من إسرائيل وجماعات الضغط الأمريكية القوية التابعة لها». وتعكس الحرب الحالية ضد إيران، التى تتسع رقعتها فى المنطقة وخارجها، عقودًا من الشراكة العسكرية الوثيقة، والتى تصاعدت حدتها إلى مستوى جديد فى ظل قيادة بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب، اللذين يجمعهما أكثر من مجرد توجهاتهما اليمينية المتطرفة. 

ويواجه كلا الزعيمين تحديات سياسية وقانونية داخلية، وينظران إلى الحرب كوسيلة لصرف الانتباه عن تلك المشاكل، كما يريان فيها فرصة لترسيخ هيمنة واشنطن وتل أبيب العالمية والإقليمية.