الأربعاء 24 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
قانون زراعة جديد لمعركة الأمن الغذائى فى زمن الاضطرابات

قانون زراعة جديد لمعركة الأمن الغذائى فى زمن الاضطرابات

فى لحظة تاريخية فارقة، تتقاطع فيها الأزمات العالمية مع الطموحات الوطنية، لم يعد الحديث عن الزراعة ترفًا فكريًا، ولا ملفًا قطاعيًا معزولًا عن السياق العام، بل أصبح قضية وجود وأمن قومي. فالعالم اليوم يعيش على وقع اضطرابات غير مسبوقة: حروب ممتدة، توترات جيوسياسية، اختناقات حادة فى سلاسل الإمداد، ارتفاع قياسى فى أسعار الطاقة، قفزات متتالية فى أسعار الغذاء، وتغيرات مناخية تضرب استقرار الإنتاج الزراعى فى مختلف القارات.



فى هذا المشهد العالمى المضطرب، تدرك الدولة المصرية أن الأمن الغذائى لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية، وأن امتلاك الغذاء هو امتلاك للقرار الوطني. ومن هنا، تكتسب الزراعة موقعها الطبيعى كأحد أعمدة الأمن القومي، وكرافعة أساسية للاستقرار الاجتماعى والاقتصادي، وضمانة حقيقية لحقوق الأجيال القادمة فى الحياة الكريمة.

لقد أولت القيادة السياسية، بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي، هذا الملف اهتمامًا غير مسبوق، فانتقلت الزراعة من كونها قطاعًا تقليديًا يعانى التهميش، إلى محور رئيسى فى مشروع الدولة لبناء الجمهورية الجديدة؛ الجمهورية التى تقوم على العمل، والإنتاج، وتعظيم الموارد، وتحويل التحديات إلى فرص.

غير أن هذه الرؤية الطموحة، مهما بلغت قوتها، لا يمكن أن تُكتب لها الاستدامة دون إطار تشريعى عصرى يواكب المتغيرات، ويحمى الاستثمارات، ويدعم الفلاح، ويؤسس لزراعة حديثة قادرة على الصمود فى وجه الأزمات العالمية. ومن هنا، يبرز تحديث قانون الزراعة المصرى رقم 53 لسنة 1966 كضرورة وطنية وسيادية عاجلة، تمثل حجر الزاوية فى معركة الأمن الغذائى.

قانون وُضع لمرحلة.. وبقى فى غير زمانه

صدر قانون الزراعة الحالى فى ستينيات القرن الماضي، فى سياق تاريخى واقتصادى مختلف جذريًا عن واقعنا الراهن. كانت الدولة آنذاك تواجه تحديات تتعلق بإعادة توزيع الأرض، وتنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر، وحماية الرقعة الزراعية فى مرحلة بناء اجتماعى وسياسى مختلفة.

فى ذلك الوقت، كانت الزراعة تعتمد بدرجة كبيرة على العمل اليدوي، وكانت الموارد المائية أكثر وفرة نسبيًا، ولم تكن قضايا مثل الطاقة، أو التغير المناخي، أو الأسواق العالمية، أو سلاسل الإمداد مطروحة بهذا التعقيد. وقد أدّى القانون دوره فى حينه، وأسهم فى تنظيم القطاع وحمايته.

لكن مرور أكثر من نصف قرن، وتغير كل المعادلات الاقتصادية والتكنولوجية والبيئية، جعل هذا القانون غير قادر على إدارة زراعة القرن الحادى والعشرين. فالزراعة اليوم أصبحت صناعة متكاملة، ترتبط بالطاقة، المياه، التكنولوجيا، التجارة الدولية، الاستثمار طويل الأجل، البحث العلمي، والاقتصاد الأخضر.

إن الاستمرار فى الاعتماد على تشريع صيغ لعصر مختلف، لإدارة قطاع بهذا التعقيد، يخلق فجوة خطيرة بين رؤية الدولة الطموحة وأدوات التنفيذ، ويحول القانون من أداة تمكين إلى قيد يعوق الانطلاق.

الزراعة المصرية اليوم.. بين ضغوط الداخل وعواصف الخارج

تواجه الزراعة المصرية فى المرحلة الراهنة تحديات مركبة، تتشابك فيها العوامل الداخلية مع الضغوط الخارجية، ومن أبرزها:

1- ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، وما يترتب عليه من زيادة كبيرة فى تكلفة الأسمدة، وتشغيل ماكينات الري، النقل، والتصنيع الزراعي.

2- اضطرابات سلاسل الإمداد الدولية نتيجة الحروب والصراعات، وتراجع حركة التجارة العالمية، وصعوبة استيراد مستلزمات الإنتاج فى التوقيت المناسب وبأسعار مستقرة.

3- ارتفاع أسعار الغذاء عالميًا، وهو ما يفرض ضغطًا مباشرًا على الدول المستوردة، ويجعل الاكتفاء الذاتى مسألة أمن قومي.

4- ندرة الموارد المائية وارتفاع تكلفة وحدة المياه، فى ظل تحديات إقليمية ومناخية متزايدة.

5- التغيرات المناخية التى باتت تؤثر بوضوح على الإنتاجية، مواعيد الزراعة، وانتشار الآفات والأمراض النباتية.

6- الزيادة السكانية المتسارعة وما تفرضه من ضغوط متزايدة على الطلب الغذائي.

7- اشتداد المنافسة فى الأسواق العالمية وارتفاع معايير الجودة والاستدامة، خاصة فى الأسواق التصديرية.

وفى المقابل، تمتلك مصر فرصًا حقيقية لتجاوز هذه التحديات، إذا ما أحسنت استغلال مواردها الطبيعية، موقعها الجغرافى، بنيتها التحتية الحديثة، ومشروعاتها القومية، لتتحول إلى قوة زراعية إقليمية ومركز لوجستى لتداول وتصنيع وتصدير الغذاء.

معوقات قانون الزراعة الحالى حين يغيب المنظور الاستراتيجى

1- غياب الرؤية الشاملة للأمن الغذائى.. يتعامل القانون الحالى مع الزراعة باعتبارها نشاطًا إنتاجيًا محدودًا، دون دمجها فى منظومة متكاملة للأمن الغذائى تشمل: الإنتاج، التخزين، التصنيع، النقل، التسويق، التصدير، وبناء المخزون الاستراتيجي. 

وهو منظور لم يعد مقبولًا فى عالم تُدار فيه الزراعة باعتبارها صناعة استراتيجية لا تقل أهمية عن الطاقة أو الدفاع.

2- تجاهل التكنولوجيا والتحول الرقمى.. لا يتضمن القانون نصوصًا واضحة تنظم أو تشجع: الزراعة الذكية- الزراعة الدقيقة- التحول الرقمى- استخدام البيانات والذكاء الاصطناعى فى إدارة الموارد الزراعية، وهو ما يحد من قدرة القطاع الزراعى على مواكبة التطور العلمي، ويضعف تنافسيته داخليًا وخارجيًا.

3- ضعف حماية الموارد الطبيعية

يفتقر القانون إلى آليات صارمة للحفاظ على:خصوبة التربة والموارد المائية السطحية والجوفية والتنوع البيولوجي.. فى وقت أصبحت فيه الاستدامة شرطًا أساسيًا لأى تنمية حقيقية، وليس مجرد التزام بيئى شكلي.

4- قصور تشجيع الاستثمار الزراعي

لا يوفر القانون الحالى بيئة جاذبة للاستثمار طويل الأجل، ولا ينظم بوضوح: الشراكات الزراعية الحديثة.. الزراعة التعاقدية.. والتكامل بين الزراعة والصناعة.. وتشجيع الاستثمار المحلى فى صناعة الأسمدة والمبيدات لتقليل الاعتماد على الاستيراد وتأمين سلاسل الإمداد.

الفلاح.. الحلقة الأضعف

رغم أن الفلاح هو حجر الزاوية فى الزراعة المصرية، فإن القانون لا يمنحه الحماية الكافية من تقلبات السوق، ولا يضمن له سعرًا عادلًا، أو منظومة تأمين زراعى فعالة، ما يهدد الاستقرار الاجتماعى فى الريف.

لماذا أصبح تحديث القانون ضرورة وطنية وسيادية؟

أولًا: لأن تحديث قانون الزراعة يمثل خطوة جوهرية نحو:

1- تحقيق الاكتفاء الذاتى من السلع الاستراتيجية.

2- تقليل فاتورة الاستيراد فى ظل تقلبات الأسواق العالمية.

3- بناء مخزون استراتيجى آمن.

4- دعم الاقتصاد الوطنى وزيادة الناتج القومي.

5- خلق فرص عمل حقيقية عبر الزراعة الحديثة والصناعات الغذائية.

ثانيًا: لأنه يحقق توازنًا عادلًا بين مصلحة الدولة، والمستثمر، والفلاح، ويعيد الاعتبار للريف المصرى كقاطرة تنمية لا عبئًا اقتصاديًا.

ثالثًا: لأنه يحمى حقوق الأجيال القادمة بتشريع يضمن الاستخدام الرشيد للأرض والمياه والطاقة، ويحافظ على الموارد كأمانة وطنية.

ملامح قانون زراعة جديد يواكب الجمهورية الجديدة

قانون الزراعة الجديد يجب أن يكون نقطة انطلاق لا مجرد تعديل شكلي، ومن أبرز ملامحه:

1- إدماج الزراعة الذكية والتحول الرقمى فى صلب التشريع.

2- حوافز ضريبية وتشجيعية لاستخدام التكنولوجيا الحديثة.

3- إدارة مستدامة للمياه والتربة والطاقة.

4- تشجيع الاعتماد على الطاقة الجديدة والمتجددة فى الرى والتصنيع الزراعي.

5- دعم الجمعيات الزراعية وتحديث دورها لتصبح أداة تنموية وخدمية حقيقية.

6- تمكين الفلاح بضمان أسعار عادلة للمحاصيل الاستراتيجية.

7- تطوير منظومة التأمين الزراعى لمواجهة المخاطر المناخية.

8- تسهيل الحصول على التمويل والخدمات الإرشادية.

9- تشجيع الاستثمار المحلى فى مستلزمات الإنتاج الزراعي.

10- إطار قانونى واضح للشراكات بين الدولة والقطاع الخاص.

11- تنظيم الأسواق وسلاسل القيمة وتقليل حلقات الوساطة.

12- ربط الإنتاج باحتياجات السوق المحلية والعالمية.

13- حوكمة وشفافية فى تخصيص الأراضي.

14- منصات رقمية لإدارة القطاع الزراعي.

مجلس أعلى للبحث العلمى الزراعي.. من المعمل إلى الحقل

من الضرورى أن يتضمن قانون الزراعة الجديد نصًا صريحًا بإنشاء مجلس أعلى للبحث العلمى الزراعي، يتبع جهة سيادية عليا، ليكون المظلة الوطنية للتخطيط والتنسيق بين وزارة الزراعة، والمراكز البحثية، وكليات الزراعة بالجامعات المصرية.

مجلس يحدد أولويات البحث العلمى وفق احتياجات الدولة، ويربط البحث الأكاديمى بالتطبيق الحقلي، ويمنع الازدواجية، ويضمن انتقال المعرفة من المعمل إلى الحقل، ليصبح البحث العلمى أداة مباشرة لصناعة القرار الزراعى وداعمًا حقيقيًا للأمن الغذائي.

الدورة البرلمانية الجديدة.. فرصة لا تحتمل التأجيل

إدراج تحديث قانون الزراعة على أجندة الدورة البرلمانية الجديدة يمثل استجابة طبيعية لرؤية الدولة، ورسالة ثقة للفلاح والمستثمر، ودليلًا على أن التشريع شريك أصيل فى البناء، لا عائقًا أمامه. إنها لحظة حاسمة لصياغة قانون يعبر عن روح الجمهورية الجديدة، ويترجمها إلى نصوص قابلة للتطبيق.

تشريع يُنبت المستقبل

إن الدولة التى تخوض معركة التنمية فى عالم مضطرب، وتواجه أزمات الغذاء والطاقة والمناخ بثقة، وتراهن على الإنتاج لا الاستهلاك، تستحق قانون زراعة جديدًا يكون حجر الأساس للنهوض الزراعى الشامل: إنتاجًا، تصنيعًا، تسويقًا، وتصديرًا.

قانون يحمى الأمن القومي، ويجذب الاستثمار، ويُنصف الفلاح، ويحوّل مصر إلى مركز إقليمى للغذاء والخدمات اللوجستية.. فحين يكون التشريع رشيدًا، تُزهر الأرض.. ويأمن الوطن.