الأربعاء 24 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
من بردية كاهون إلى أطفال الأنابيب

من بردية كاهون إلى أطفال الأنابيب

منذ عدة أسابيع شاركت مع نخبة من علماء مصر فى أفرع الطب المختلفة بدعوة من الأستاذ الدكتور جمال أبوالسرور أستاذ أمراض النساء والولادة بطب الأزهر والرئيس السابق للجمعية العالمية لأمراض النساء والولادة احتفالا بمرور أربعين عاما على ولادة أول طفل أنابيب فى مصر والشرق الأوسط، وولادة تخصص جديد فى الطب فى مصر هو تخصص الإخصاب الطبى المساعد وأطفال الأنابيب. أقيم الاحتفال فى أحضان المتحف المصرى الكبير فى احدى قاعاته المحيطة بتماثيل فراعنة مصر الذين أسسوا أول حضارة فى تاريخ البشرية، وتاريخيا فقد قدمت مصر للبشرية الرياضيات والطب والكيمياء والهندسة وعلم المعادن وعلم الفلك وعلم المحاسبة، والكتابة على أوراق البردى. 



ومصر هى أول دولة فى التاريخ توثق طب النساء والولادة وتعتبر بردية كاهون الطبية والتى نسخت منذ أربعة آلاف سنة، أقدم وثيقة طبية فى التاريخ عن أمراض النساء. نسخت فيها 34 حالة تناقش مشاكل الرحم، واختبار الحمل ومعرفة اذا كان الجنين ذكرا أو انثى وذلك بأن يسقى حبوب القمح والشعير ببول السيدة، فإذا نبت القمح كان المولود انثى، وإذا نبت الشعير كان المولود ذكرا، واذا لم ينبت كلاهما لم تكن السيدة حاملا. والعلم الحديث أثبت إن دقته 70%، واخترعوا كرسى الولادة، وعرفوا كيف يمنعون الحمل وذلك باستخدام عجينة من التمر والعسل والصمغ كـلبوس مهبلى. وفى عصر النهضة الحديثة فى عهد محمد على باشا الكبير أسس مدرسة الطب فى أبى زعبل ثم تم نقلها الى قصر العينى، وكان كلوت بك الفرنساوى أول عميد لها، وتخرجت أول دفعة أطباء مصريين عام 1832، وتم إجراء أول عملية ولادة قيصرية فى مصر فى قصر العينى عام 1929، ثم تم تأسيس أول مدرسة تمريض وقابلات (مولدات) فى مصر والشرق الأوسط عام 1832. 

وفى عام 1909تم إنشاء قسم النساء والتوليد فى قصر العينى رسمياً وفى عام 1934 تم افتتاح مستشفى الجلاء للولادة - أكبر مستشفى نساء فى الشرق وقتها، وفى عام 1942تم إنشاء جامعة فاروق «إسكندرية» وقسم النساء فيها، وبين أعوام 1950-1960 تم انتشار أقسام النساء فى كل كليات الطب: عين شمس، الأزهر، أسيوط. ورواد وعلماء طب النساء فى مصر كثيرون أولهم د. نجيب محفوظ باشا 1882-1974 - أبو طب النساء الحديث فى مصر والذى أجرى أول عمليه فيستولا بولية - مهبلية، وله مدرسة جراحية باسمه، و كتب أكبر مرجع عربى فى امراض النساء. 

ومن بعده الدكاترة احمد باشا شفيق والصادق فوده ومحمد الصادق وعبدالفتاح يوسف ومحمد فياض ومجدى باشا الذين قاموا بتطوير القسم ووضع الأسس الحديثة للتعليم والأبحاث. ومن قصر العينى انطلق الاساتذة ليؤسسوا اقسام أمراض النساء والولادة فى باقى جامعات مصر، ففى الاسكندرية طبوذادة. وفى عين شمس ضياء سيف الدين ومحمد سمور ورشدى عمار وعلى مخلوف والدكتور كريم، وفى الأزهر، أ.د.فؤاد الحفناوى ودكتور جمال أبو السرور  وفى اسيوط أستاذ الأساتذة العالمى الدكتور محمود فتح الله، الذى اعتلى منصب مستشار ومدير الصحة الإنجابية فى منظمة الصحة العالمية كاول عربى فى هذا المنصب.

وفى اواخر القرن الماضى ادخل المناظير التشخيصية فى مصر وبرع فيها كل من  دكتور محمود المناوى وعبد الحميد بدوى، ودكتور جمال أبو السرور الذى ادخل اول برنامج تدريبى للمناظير التشخيصية للبطن بالاشتراك مع جامعة جونز هوبكنز فى عام 1976 لتدريب الاطباء من آسيا وإفريقيا ومصر وتم ايضا تدريب اخصائيى وأساتذة الجراحة وجراحة الأطفال عليها. والدكتور فاضل شلتوت اول من ادخل المناظير الجراحية  والجراحة الميكرو سكوبية فى مصر والوطن العربى وتخرج على يديه العديد من الاطباء المصريين ومن اغلب الدول العربيه..وحديثا الدكتور أحمد المناوى الذى طور جراحة المناظير وذلك باستخدام جهاز المحاكاة لتدريب عدد كبير من الأطباء على جراحات المناظير. وحديثا أيضا وبالنسبة لتخصص أطفال الأنابيب، تم تشكيل فريق طبى متكامل يقوده كل من دكتور محمد أبو الغار ودكتور جمال أبو السرور والدكتورة رجاء منصور والتى عملت فى امريكا لمدة 4 سنوات فى مركز أطفال أنابيب، وافتتح أول مركز لأطفال الأنابيب فى جمهورية مصر العربية فى 21 مارس (عيد الأم) عام 1986 وولدت أول طفلة هبة الله فى يوليو 1987 شاهدا على ريادة مصر لفرع جديد من فروع الطب، وهو الاخصاب الطبى المساعد وأطفال الأنابيب. ولقد لعبت مصر بمؤسساتها الصحية والدينية - الازهر الشريف والكنيسة القبطية - دوراً فاعلا ومؤثرا بعد الموافقة على إتاحة هذه الطريقة من العلاج للملايين من مرضى العقم فى كل بلاد الشرق الاوسط والبلاد الأسلامية، وتم افتتاح أول وحدة أطفال الأنابيب فى عام 2000 فى مستشفى الجلاء التعليمى بمساعدة د. إسماعيل سلام وزير الصحة الأسبق، ثم تم إنشاء أول وحدة أطفال الأنابيب فى الجامعات المصرية بجامعة الأزهر عام 2004، وتدرب فى هذه الوحدة ما يزيد على 600 طبيب وأخصائى أجنة من مصر و13 دولة من آسيا وإفريقيا وأوروبا، ثم تلى ذلك إنشاء وحدات مماثلة فى الجامعات الأخرى مثل عين شمس والقاهرة وأسيوط وغيرها.

كما تم إنشاء درجات أكاديمية فى أطفال الأنابيب وعلم الأجنة لتمنح درجات الدبلوم والماجستير والدكتوراه منذ عام 2019 فى جامعة الأزهر والتى تخرج فيها المئات من الأطباء وأخصائيى الأجنة وتلى ذلك إنشاء درجات أكاديمية مماثلة فى بعض الجامعات الأخرى وأتاح الحصول على هذه الدرجات الأكاديمية للزملاء العمل فى مراكز أطفال الأنابيب فى مختلف أنحاء العالم وهكذا من بردية كاهون منذ أربعة آلاف عام وكرسى الولادة، لقصر العينى وأطفال الأنابيب ـــ ستبقى مصر ودائما رائده المنطقة وإفريقيا فى كل تخصصات الطب.

أستاذ بكلية طب الأزهر