الأحد 16 يناير 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
احمد باشا

روزاليوسف تنشر تفاصيل أخطر رصد للأقمار الصناعية للسد الإثيوبى

دراسات أمريكية: هبوط مستمر فى سد النهضة

على مدى حوالى شهر، كان الوضع المائى فى مصر، وفى المنطقة العربية محور نقاش موسع فى فعاليات ثلاثة مؤتمرات دولية، استضافتها القاهرة ومدينة دبي، فى ظل مجموعة من التحديات التى تواجه الأمن المائى لعدد من الدول العربية، هذه المؤتمرات، هى: انعقاد الدورة الرابعة لأسبوع القاهرة للمياه بمشاركة أكثر من 1800 مشارك،  وسبق ذلك مؤتمران على المستوى العربي، الأول كان المنتدى العربى الخامس للمياه فى دبى نهاية سبتمبر، أما المؤتمر الثانى كان مؤتمر مجلس الوحدة الاقتصادية العربية بالتعاون مع المجلس العربى للمياه فى القاهرة عن «الأمن المائى العربى فى ظل ندرة المياه.. السطور التالية ترصد أبرز ما أوصت به هذه المؤتمرات.



كشفت دراستان بحثيتان، أشرف على إعدادهما نخبة من الباحثين فى مجال علوم الأرض والاستشعار عن بعد بجامعة شابمان الأمريكية، عن مجموعة من التطورات المهمة الخاصة بسد النهضة الإثيوبي، وعن  ضعف معدل الأمان فى بنية وجسم السد، فضلا عن رصد تطورات عملية ملء السد الأولى وتأثيراته المائية والبيئية على ديناميكية ومجرى نهر النيل. الدراستان شارك فيهما العالم المصرى الدكتور هشام العسكرى، أستاذ نظم علوم الأرض والاستشعار عن بعد بجامعة شابمان الأمريكية فى كالفورنيا، واعتمدت على قياسات وصور دقيقة للأقمار الصناعية عن تطور عملية بناء السد ومدى  تأثر التربة المقام عليها السد خلال الخمس سنوات الماضية.

المفاجأة كانت فى مجموعة من النتائج التى انتهت إليها تلك الدراسات، والتى كان أهمها رصد هبوط أرضى فى منطقة بناء السد الإثيوبى خلال الخمس سنوات الماضية، فضلا عن عدم توازن عملية الهبوط، ما قد يترتب عليه فى المستقبل شروخ فى القطاع  الأوسطى من السد الخرساني، كما كشفت الدراسة حقيقة الكميات التى حجزها فى بحيرة السد خلال عملية الملء الأول له فى يوليو 2020، حيث لم يستطع الجانب الإثيوبى فى حجز  كميات المياه المستهدفة على عكس ما تم إعلانه إعلاميا، وهو ما يرسم علامات استفهام حول الموقف الإثيوبى.. 

«روزاليوسف» حصلت على نص الدراستين الأمريكيتين، لنشر أبرز وأهم النتائج التى انتهت إليها هاتان الدراستان.

 

الدراسة الأولى:

40 سنتيمترًا هبوطًا فى مبنى السد الإثيوبى خلال 5 سنوات

 

الدراسة الأولى نشرت فى 26 أكتوبر 2021، وكانت بعنوان «تقييم الحركة الرأسية والعمودية لمنطقة بناء سد النهضة الإثيوبى وتأثيرها المحتمل على دولتى المصب»، وذلك باستخدام تقنية رادارية من الأقمار الصناعية قادرة على الإرسال والاستقبال بموجات لها خصائص دقيقة قادرة على رصد بيانات الحركة الرأسية بدقة تتعدى 1 سم.

جاءت فكرة الدراسة وفقا لما كشف عنه الدكتور هشام العسكرى أحد الباحثين المشاركين فى إعدادها، بعد حديث لجنة الخبراء التى تشكلت فى بداية عمل السد الإثيوبى وتحدثت عن أمان السد وأنه لا يوجد دراسات كافية عن أمان السد، ولا توجد دراسات عن الأرض المقام عليها السد، خصوصا وأن كمية المياه المستهدف تخزينها فى بحيرة السد كبير جدا يصل إلى 74 مليار م3، وهذه الكمية قادرة على إبادة دولة مثل السودان.

وأوضح العسكرى أن هناك وسائل عديدة لرصد الطبيعية الجولوجية للتربة المقام عليها السد، منها صور الأقمار الصناعية التى تعتمد على الطاقة الشمسية، وأخرى تعتمد على الأشعة الشمسية، وأخرى تعتمد على أشعة ترسلها الأقمار الصناعية، لكن فى هذه الدراسة تم استخدام أقمار صناعية لديها القدرة على الارسال والاستقبال، بإرسال موجات لها خصائص معينة بأشعة ردارية لها القدرة على اختراق الأرض، بما يساعد فى اكتشاف أى حركة رأسية فى التربة الخاصة بالسد من عدمه.

هبوط فى جسم السد

الدراسة استهدفت رصد حركة التربة فى جسم السد الخرساني، وجسم سد «السرج» الرخامي، بناء على بينات الأقمار الصناعية فى الفترة من 2016، وحتى 2021، بما يعنى رصد حركة التربة الرأسية فى جسم السد خلال 5 سنوات، ونظرا وأن بيانات القمر الصناعى قادرة على رصد أجسام فى محيط من 10 إلى 17 مترا، تم تقسيم جسم السد لقطاعات نظرا وأن طوله يصل حوالى 2 كم2.

ركزت الدراسة على قطاعين اثنين فى جسم السد الخرسانى، وهو قطاع أقصى اليمين، وقطاع أقصى اليسار، وبمقارنة بيانات الأقمار الصناعية خلال الخمس سنوات انتهت الدراسة لنتيجة تمثل خطورة حقيقية وهى أن هناك نوعا من أنواع الهبوط الأرضى فى المنطقة المقام عليها السد، وصلت خلال السنوات الخمسة إلى 40 سم، وهذه نسبة كبيرة وفقا لتقدير الدكتور هشام العسكرى.

لكن المشكلة الأكبر التى رصدتها الدراسة أيضا، أنه مع بداية الملء الأول للسد، تبين أن معدل الهبوط فى القطاعين الأيمن والأيسر يتم ولكن ليس بنفس المعدل، حى أن الجانب الأيسر يهبط أسرع من الجانب الأيمن، وهذا خطر أكبر لأنه لو كان الهبوط متوازنا قد لا يترتب عليه مخاطر، أما فى حالة اختلاف نسبة الهبوط قد ينتج عليه مستقبلا شروخ فى القطاع الأوسط للسد، وبالتالى بمرور الوقت قد يحدث تصدع فى جسم السد.

وحول إذا كان الهبوط غير المتوازن للسد يترتب عليه انهيار لجسم السد الخرساني، أوضح الدكتور هشام العسكرى أن هذا الأمر متروك للخبراء الإنشائيين، ولكن الدراسة رصدت الوضع الخاص بالتربة المقام عليها السد وتأثيره على حركة هبوط الجسم الخرسانى له.

كسور أرضية

فى نفس الوقت رصدت الدراسة التربة الخاصة بسد «السرج» السد الركامي، وهو الجزء الثانى الذى قام الجانب الاثيوبى بإنشائه لرفع القدرة التخزينية لبحيرة السد من 18.5 مليار م3 إلى 74 مليار م3، وهو ما زال خارج الخدمة حاليا نظرا وأن عملية الملء لم تصل للمعدل المطلوب وهو 18.5 مليار م3.. وانتهت الدراسة إلى أن السد الركامى مقام فى منطق مليئة بالفوالق الأرضية وبها  توجد بها مناطق صخور عادية ومناطق بها فوالق أرضية ومضاعفة كميات التخزين فى هذه المنطقة سيجعل القشرة الأرضية فى هذه المنطقة أكثر انزلاقا.

ورصدت الدراسة أيضا وجود حركات هبوط غير متسقة فى أرض السد الرخامي، وهناك عمليات هبوط تتسق مع الفوالق الأرضية أسفل جسم السد، وأوضح الدكتور هشام العسكرى فى هذا الإطار أن خطورة الأمر فى أن إثيوبيا دولة نشطة زلزاليا، وهى الدولة  الاولى افريقيا على مستوى النشاط الزلزالى، وبالتالى هناك خطورة كبيرة فى حالة الزلزال على جسم هذا السد.

 

الدراسة الثانية:

الملء العشوائى للسد خطر على النيل.. وأديس أبابا تخفى الحقيقة

 

الدراسة الثانية، نشرت فى منتصف فبراير 2021، وكان موضوعها «تقييم عملية ملء السد الإثيوبى وتأثيره على دولتى المصب مصر والسودان»، واعتمدت الدراسة فى عملية الرصد على صور الأقمار الصناعية فى فترة الخريف وهطول الأمطار فى إثيوبيا بداية من شهر يوليو وحتى نهاية نوفمبر 2020.

وفقا للدراسة، فقد تم رصد أن حجم مياه التخزين خلف جسم السد فى الملء الأول زاد ما يقرب من 237 كم2، وهو ما يمثل 14% من إجمالى مساحة خزان السد المقدر بحوالى 1680 كم2، ورصدت الدراسة حجم الزيادة فى بحيرة السد فى كل شهر حيث كانت أكبر نسبة تخزين فى شهر أغسطس.

وبدأت عملية التخزين  الأول للسد فى 8 يوليو 2020 بحوالى 545م3، ثم ارتفع منسوب المياه بمقدار 45م بنهاية نوفمبر 2020، ليصل ما تم تخزينه 3.584 مليار م3 فى عملية الملء الأول، أى ما يقرب من 5.3 ٪ من القدرة النهائية للسد، ويلاحظ هنا أن إجمالى نسبة التخزين فى الملء الأول حوالى 3.5 مليار م3، على عكس ما أعلن من الجانب الإثيوبى أنه وصل إلى 5.5 مليار م3.

وانتهت الدراسة إلى أن عملية  الملء الخاصة بالسد قد يترتب عليها أثار جذرية فى مجرى نهر النيل خصوصا فى فترات الجفاف، وعليه أكدت الدراسة ضرورة مشاركة  الدول الثلاث فى عملية إدارة وتشغيل السد لتنظيم عملية التوزيع العادل للمياه لدولتى المصب مصر والسودان.

الملء العشوائى

وفيما يتعلق بالمخاطر التى تحدثت عنها الدراسة كشف الدكتور هشام العسكرى أحد الباحثين المشاركين فى إعداد تلك الدراسة، أنهم قاموا برصد عملية الملء نظرا لإصرار الجانب الإثيوبى على ملء السد بشكل أحادى وبدون تنسيق مع دولتى المصب، مشيرا إلى أن ذلك له تأثير كبير على الدورة الهيدرولوجية لنهر النيل.

وأوضح أن التخزين بدون إخبار دولتى المصب، أو التخزين العشوائى، يؤدى لاختلال فى سريان النهر، وبالتالى تتغير ديناميكية النهر، بمعنى تم تخزين جسم مائى كبير دون الأخذ فى الاعتبار أن هذا الجسم يؤدى لتعرض عمليات بخر أكثر من الأول، وبالتالى تكوين سحب أكثر من الأول، وهذا ما حدث العام الحالي، ويفسر كثرة السيول والفيضانات فى إثيوبيا والسودان هذا العام.

وأشار إلى أن من بين الأضرار التى رصدها فى عملية الملء الأول، ما حدث فى السودان، حيث فجأة انقطعت المياه عن السودان وبالتالى هذا يؤدى للجفاف وزيادة مساحة التصحر، وتبوير مساحات من الأراضى الزراعية، ثم فجأة قام الجانب الإثيوبى بفتح المياه فى التوربينات السفلية للسد، وهو ما تسبب فى عكارة المياه الواردة للسودان بسبب كميات الطمى الكبيرة، وعليه فوجئ السودانيون بمياه شرب معكرة فى منازلهم بسبب هذا التصرف.

وكشف الدكتور هشام العسكري، أن الجانب الإثيوبى أعلن أنه سيقوم بتخزين 18 مليارا ونصف المليارم3 مع الملء الثانى، وأرسل ذلك لدولتى المصب، ولكن برصد الأمر وجدنا أنه لم تتم عملية الملء المستهدفة، رغم إعلان الجانب الإثيوبى واحتفاله بذلك وهو ما يرسم علامات استفهام حول هذا التصرف.

وقال إن هذا الموقف تسبب فى أضرار مثلا للجانب السوداني، لأنه بإعلان الجانب الإثيوبى تخزين 13 مليارا ونصف المليار فى الملء الثاني، قامت السودان بتخزين سد الروصيرص، لكن فجأة وجدت الحكومة السودانية أن حجم المياه القادمة أكبر من المتوقع ، فتضطر فجأة فى تفريغ سد الروصيرص، للتعامل مع الموقف الطارئ، وبالتالى يجعل تصرف دول المصب كرد فعل، وبالتالى عدم مشاركة البيانات وبشكل أحادى ممكن يؤدى لمشاكل.