الجوكر
الذى أحيا زمنه وزمن غيره!
هند سلامة
ترك الفن أو إذا شئنا الحديث عن الكوميديا وصناعة القطاع الخاص فى زمن مضى، ميراثا معرفيا شعوريا أحدث رصيدا لم ولن يمحى من التكوين الوجدانى للمواطن المصرى.. هذه الحساسية الشعورية تجاه الأحداث والأشخاص والأشياء من حولنا والممارسات اليومية العفوية التى تسير فى ديمومة الحياة بسهولة كانت المنبع الأول الذى شكل وحدد بدقة الملاحظات الحسية للكاتب.
يرجع أصل تلك الأعمال إلى هذا الرصيد الثرى من عمق الثقافة الشعبية والإنسانية للمواطن البسيط، ثم محاولة إعادة صياغة هذه البساطة وقولبتها فى إطار فنى مقبول على يد مجموعة من المحترفين الذين يمتلكون حساسية فنية لتجسيد وتسجيل لحظات شعورية، حالات مزاجية، وأنماط سلوك عفوية شائعة بين البشر فى هذا الواقع بالذات، وكأن الضحك وطريقة صناعته وصياغته واستخراجه مرتبط ارتباطا وثيقا بواقعه الآنى إلا فيما ندر أو فيما نحن بصدد الحديث عنه حاليا، عن أحد رواد هذه الصناعة فى زمن ماض وحاضر مستمر.. الفنان محمد صبحى أو «الجوكر» الذى استطاع أن يحيا فى زمنه وزمن غيره بنفس شكل الكوميديا ونفس إيقاع صناعة الضحك، كيان مسرحى يستحق الدراسة والبحث والتأمل.
تعرض الفنان محمد صبحى مؤخرا إلى وعكة صحية كبيرة، شعر معها جمهوره بحالة من اللهفة والهلع.. شعور انتاب أغلب الجماهير سواء المؤيدين لكوميديا صبحى أو المعارضين لها، وكأنه لم يكن مجرد كوميديان لكنه فنان شكل جزءا أصيلا من وجدان وثقافة المواطن المصرى، هذا الشعور العفوى تجاه واقعة مرضه يستوجب التوقف.. لماذا شعر المصريون بالخوف على صبحى وكأنه أحد أفراد العائلة الصغيرة؟!.. عندما يقترب الفنان من واقع المواطن يفسر همومه يفتح جراحه بعمق وصدق سواء بالكوميديا أو التراجيديا، هنا يرتبط المشاهد بهذا الفنان ارتباطا أصيلا ويشعر وكأنه جزء منه لأنه يعبر عنه وعن واقعه الحقيقى، هذه الحالة من التماهى مع شخص الفنان وكأنه أحد أفراد العائلة وكأنه جزء محفور فى وجداننا، حالة استثنائية ربما تتكرر دائما مع نجوم أمثال صبحى وعادل إمام ونور الشريف ويحيى الفخرانى ولينين الرملى وأسامة أنور عكاشة ووحيد حامد ويوسف شاهين وغيرهم الكثير، هؤلاء كانوا دائما الأصدق والأكثر هما فى حمل عبء تجسيد روح المعاناة للمواطن المصرى على اختلاف وتعدد أشكال تناولهم وتعبيرهم عن تلك القضايا وهذه الهموم، نجوم يشبهوننا ونشبههم عندما نشعر باقتراب فقدان أحدهم كأننا فقدنا فردًا ينتمى إلينا وليس شخصًا مغتربا عنا.
انفرد وتفرد محمد صبحى بنجوميته واعتلائه لعرش القطاع الخاص حتى هذه اللحظة، فهو آخر من تبقى من نجوم مسرح القطاع الخاص بسياقه القديم، تألق وحقق نجاحا كبيرا فى عز توهج القطاع الخاص فى أيام كان يصنع فيه المسرح نجمه وليس العكس، كانت تأتى النجومية من خشبة المسرح، يلعب الممثل المسرح حبا فيه وليس هدفا أو لغاية كى يكتشفه منتج أو مخرج سينما أو دراما، واجه مسرح القطاع الخاص عواصف شديدة جعلته يتراجع سنوات طوال منذ بداية الألفية وحتى اليوم، ثم عاد فى محاولات متقطعة من الفنان أشرف عبد الباقى بمسرح مصر، ثم مشروعه الجديد فى تقديم مسرحيات مكتملة على خشبة الريحانى وأخيرا مشروع «سوكسيه» الذى حافظ على بقاء الريحانى مفتوحا لاستقبال الموهوبين من الشباب، تبع عبد الباقى محاولات أخرى جادة من مسرح «كايرو شو» و«سى سينما» والمنتج أحمد الإبيارى الذى استمر فى عسر شديد، ومحاولة أخيرة من المنتج أحمد السبكي، وأخيرا العدل جروب وهناك عودة محتملة من كيانات أخرى مازلنا فى انتظارها، بينما فى ظل حالات الصعود والهبوط والشد والجذب بين القطاع الخاص والظروف الاقتصادية الحرجة الخانقة التى تحول دون توهجه وانطلاقه مع هذه المحاولات غير المستقرة غالبا، فى المقابل استقر صبحى واستمر فى تطبيق منهجه آمنا مطمئنا بين أسوار مدينته المحصنة مدينة «سنبل»، تمكن من تحصينها بحصن منيع ضد تلك الظروف العاصفة والمانعة لاستمرار كيانات خاصة منتجة للمسرح، يتحدى الظروف والزمن بتقديم أعمال مسرحية داخل مسرح مدينته، مدينة الفنون الكبرى التى أسسها بجهد دءوب، حريصا على اتباع نفس السياسة بإنتاج مسرح فقير وتقديم محتوى فنى يحمل رسالة ويناقش قضية ويبهج الحضور، راهن على نجاحه فى الاستمرارية بنفس نمط صياغته للكوميديا، فهو يشكل لدينا ميراثا فنيا وشعوريا مرتبطا بـ»النوستالجيا» أو الحنين لأيام القطاع الخاص القديم صاحب الكوميديا المعتمدة على ضحك يخاطب الذهن ويبهج القلوب، هذا الكيان المسرحى الكبير الذى شكل فى وقت من الأوقات جزءا مهما وأصيلا من تاريخ المسرح المصرى بداية من فرقة نجيب الريحانى وعلى الكسار ونهاية بمسرح عادل إمام وسمير غانم وسعيد صالح ومحمد صبحى ولينين الرملي، كيانات أفرزت أنماطا ومدارس فى فن الكوميديا يتعذر تكرارها اليوم، وبتوقف مسرح عادل إمام بقى صبحى برمزيته كإحدى أيقونات القطاع الخاص بتاريخه الكبير ومنهجه الذى اتخذه عهدا مع الجمهور منذ بداياته الأولى وفريق العمل الكبير الذى شكله مع المؤلف الراحل «لينين الرملى».
شكل صبحى والرملى ثنائيا ناجحا فى صياغة فلسفة استثنائية لغزل نوع آخر من الكوميديا واتباع منهج مختلف فى الإنتاج، كان همهما تقديم مسرح للطبقة الوسطى، وضعا نصب أعينهما ضرورة استقطاب هذه الطبقة لمسرح القطاع الخاص، وبالتالى قدما مع فرقة استوديو 80 أعمالا مسرحية بأسعار تذاكر أقل من المتداولة مع نظرائهم من صناع القطاع الخاص، ضمنت هذه الفرقة حضورا جماهيريا ضخما وقدما معا أعمالا مسرحية مازالت محفورة فى وجدان المصريين «انتهى الدرس يا غبى»، «بالعربى الفصيح»، «الهمجى»، «تخاريف»، «وجهة نظر»، «أنت حر».. ثم استكمل صبحى طريقه بعد انفصاله عن الرملى وظل متمسكا بمنهجه وأسلوبه فى الإنتاج وصناعة الكوميديا فى أيام عجاف، لم يعزف عنه الجمهور يوما وبقى نفس الإقبال ونفس الشغف فى الدأب على مشاهدته مشاهدة حية على خشبة المسرح والاستمتاع بخفة روحه وحركته حتى أيام قليلة ماضية، وأصبح لا يهم كثيرا مدى قوة وجودة العمل على مستوى الكتابة أو الفكرة بقدر ما تشكل استقامة استمراريته الفنية على نفس المنهج والطريق فى صناعة الضحك والكوميديا منذ زمن مضى وحتى هذه اللحظة الحرجة فى عمر القطاع الخاص وهو أمر لو تعلمون كم كان شاقا وعظيما.






