الثلاثاء 6 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

سفينة الاقتصاد المصرى تصل إلى بر الأمان

المواطنون يبدأون حصاد ثمار الإصلاحات الهيكلية فى الجمهورية الجديدة

تتجه الأنظار فى مطلع العام الجديد 2026 نحو الاقتصاد المصرى بقدر متزايد من التفاؤل الحذر، مدعومة بمؤشرات أداء حقيقية بدأت تفرض نفسها على أرض الواقع، وبآفاق واعدة ترتبط بتحولات إقليمية ودولية تحمل فى طياتها فرصًا للنمو وجنى الثمار، فبعد سنوات من الضغوط المتراكمة نتيجة الأزمات العالمية والتوترات الجيوسياسية، يبدو أن الاقتصاد الوطنى يدخل مرحلة مختلفة، عنوانها التعافى التدريجى، واستعادة التوازن، والبناء على ما تحقق من إصلاحات هيكلية.



«نمو يتسارع ورسائل طمأنة»

أولى رسائل التفاؤل جاءت من أرقام النمو، فقد سجل معدل نمو الناتج المحلى الإجمالى لمصر خلال الربع الأول من العام المالى 2025/2026 نسبة 5.3%، مقارنة بمعدل نمو بلغ 3.5% فى الربع المناظر من العام المالى السابق، هذه القفزة تعكس تحسنًا ملحوظًا فى النشاط الاقتصادى، وتؤشر إلى أن الاقتصاد بدأ يستعيد زخمه، مدفوعًا بعودة قطاعات إنتاجية وخدمية رئيسية إلى مسار النمو، وعلى رأسها الصناعة، والسياحة، والخدمات اللوجيستية.

ولا يقتصر معنى هذا الرقم على كونه مؤشرًا إحصائيًا، بل يحمل دلالة أعمق تتعلق بقدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات، وتحقيق نمو أعلى رغم استمرار التحديات العالمية، من تباطؤ الاقتصاد الدولى، إلى اضطرابات سلاسل الإمداد، وتقلبات أسعار الطاقة والغذاء.

«انفراجة إقليمية بأثر اقتصادى»

وعلى الصعيد الإقليمى، يمثل وقف الحرب فى غزة نقطة تحول محورية، ليس فقط سياسيًا وإنسانيًا، إنما اقتصاديًا أيضًا، فاستقرار الأوضاع فى المنطقة ينعكس مباشرة على حركة التجارة الدولية، وأمن الملاحة البحرية، وتدفقات الاستثمار، وبالنسبة لمصر، فإن هذا التطور يفتح الباب أمام استعادة أحد أهم مصادر النقد الأجنبى، وهو إيرادات قناة السويس.

خاصة أنه خلال فترة التوترات، تأثرت حركة السفن العابرة للقناة نتيجة مخاوف أمنية وتحويل مسارات بعض الخطوط الملاحية، ومع عودة الاستقرار النسبى، تتجه التوقعات إلى عودة إيرادات قناة السويس لمعدلاتها الطبيعية، وربما تجاوزها، وتحديدًا فى ظل استمرار القناة كممر ملاحى لا غنى عنه فى التجارة العالمية.

«التحويلات.. شريان دعم مستدام»

من المؤشرات الإيجابية التى يعول عليها الاقتصاد فى العام الجديد، استمرار تدفقات تحويلات المصريين بالخارج، التى تمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبى وأكثرها استقرارًا، إذ حققت تحويلات المصريين العاملين بالخارج تدفقات قياسية خلال الشهور الـ 10 الأولى من العام الماضى 2025 “الفترة يناير/أكتوبر 2025” لتسجل نحو 33.9 مليار دولار مقابل نحو 23.7 مليار دولار خلال نفس الفترة من العام 2024.

«السياحة.. عودة قوية لمحرك النمو»

قطاع السياحة، بدوره يبرز كأحد أبرز المستفيدين من تحسن الأوضاع الإقليمية، ومن الجهود المكثفة التى بذلتها الدولة خلال السنوات الماضية لتطوير البنية التحتية السياحية، وفتح أسواق جديدة، وتنويع المنتج السياحى، ومع تراجع حدة التوترات فى المنطقة، تتزايد التوقعات بانتعاش قوى فى حركة السياحة الوافدة، سواء السياحة الثقافية أو الشاطئية أو العلاجية.

هذا الانتعاش المرتقب لا ينعكس فقط فى زيادة أعداد السائحين، بل فى ارتفاع متوسط الإنفاق السياحى، وتحسن معدلات الإشغال الفندقى، وزيادة فرص العمل، بما يعزز مساهمة القطاع فى الناتج المحلى الإجمالى، ويدعم ميزان المدفوعات.

«الاستثمار والإصلاحات.. أساس الاستدامة»

وراء هذه المؤشرات الإيجابية، تقف مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية التى بدأت تؤتى ثمارها تدريجيًا، فالتوجه نحو تحسين مناخ الاستثمار، وتبسيط الإجراءات، وإتاحة دور أكبر للقطاع الخاص، أسهم فى تعزيز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب، كما أن التركيز على القطاعات القابلة للتصدير، والصناعات ذات القيمة المضافة، يمثل ركيزة أساسية لتحقيق نمو مستدام يقلل الاعتماد على الواردات، ويعزز القدرة التنافسية للاقتصاد.

ومن المتوقع أن يشهد العام الجديد 2026 زيادة فى الاستثمارات الموجهة إلى قطاعات الطاقة المتجددة، والصناعات التحويلية، والخدمات اللوجيستية، مستفيدة من الموقع الجغرافى المتميز لمصر، وشبكة البنية التحتية التى تم تطويرها على نطاق واسع.

فى هذا الإطار، يؤكد الدكتور وليد جاب الله، الخبير الاقتصادى، أن 2025 يمكن اعتباره “عام الاستقرار” بعد نجاح الاقتصاد فى امتصاص الصدمات، بينما يتوقع أن يكون 2026 “عام النمو وتحسن المؤشرات” بامتياز، موضحًا أن معدلات النمو مرشحة لتحقيق قفزة ملحوظة خلال عام 2026، مدفوعة بتحسن الأداء الاقتصادى الكلى، مشيرًا إلى أن توقعات صندوق النقد الدولى ترجح وصول معدل النمو إلى نحو 4.5%، فى حين تذهب تقديرات بنك “ستاندرد تشارترد” إلى معدل أعلى قد يبلغ 5.5% خلال العام ذاته، إلى جانب تأكيدات من مؤسسات دولية أخرى على تحسن واضح فى مؤشرات النمو.

وفيما يتعلق بالتضخم، يشير إلى أن المعدل المتوقع يشهد تحسنًا كبيرًا من حيث التراجع والانخفاض، خاصة مع تحسن قيمة الجنيه المصرى وتحقيق نتائج إيجابية فى قطاعات حيوية، على رأسها السياحة، وتحويلات المصريين بالخارج، وعائدات قناة السويس، متوقعًا أن يتراجع معدل التضخم إلى نحو 9% مع بداية موازنة العام المالى الجديد فى يوليو 2026.

“جاب الله” يضيف: تحسن معدلات النمو سينعكس بشكل مباشر وإيجابى على سوق العمل، مع تراجع تدريجى فى معدلات البطالة، مؤكدًا أن عام 2026 مرشح لأن يكون عامًا جيدًا للاقتصاد المصرى، منوهًا إلى أن الاقتصاد القومى بات جاهزًا للانطلاق من الداخل، فى ظل جهود حكومية متواصلة لتحفيز النمو وزيادة الصادرات ومواجهة التحديات الداخلية، لكن التحديات الخارجية تبقى العامل الأبرز، إلا أنها مرشحة للهدوء خلال عام 2026، فى ظل توقعات بأن يشهد العالم قدرًا أكبر من الاستقرار مقارنة بالاضطرابات التى سادت السنوات الماضية، ما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد المصرى، فضلًا عن أن المؤشرات الحالية تؤكد استقبال العام الجديد بدرجة عالية من التفاؤل والتوقعات الإيجابية لمسار الاقتصاد الوطنى.

الدكتور عيد رشاد عبدالقادر، أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة جامعة عين شمس، يشير إلى أن التوقعات الخاصة بالاقتصاد المصرى خلال عام 2026 تميل فى مجملها إلى التحسن، لكنها تظل رهينة بعدة شروط أساسية، فى مقدمتها استمرار الانضباط فى سوق الصرف، والقدرة على استعادة تدفقات النقد الأجنبى من مصادرها الرئيسية، وعلى رأسها قناة السويس، وتحويلات المصريين بالخارج، وقطاع السياحة والاستثمار، إلى جانب تطورات الأوضاع الإقليمية.

وحول التقديرات الدولية، يوضح عبدالقادر أنها تعكس مسارًا تدريجيًا لتحسّن معدل النمو الحقيقي، حيث قدّر صندوق النقد الدولى نمو الاقتصاد المصرى بنحو 4.1% خلال العام المالى 2025/2026، فيما يشير البنك الدولى إلى اتجاه صعودى للنمو على المدى المتوسط، مدفوعًا بانحسار التضخم تدريجيًا وزيادة استثمارات القطاع الخاص، شريطة استمرار تنفيذ الإصلاحات الهيكلية.

وفيما يتعلق بالحديث عن «جنى الثمار» عقب تهدئة الحرب فى غزة، يشدد على ضرورة التحلى بالحذر، خاصة أن هذه الثمار لا تتحقق تلقائيًا بمجرد تهدئة جبهة واحدة، فى ظل استمرار الضغوط على التجارة العالمية بالمنطقة، التى لا ترتبط فقط بالحرب، بل تمتد إلى التوترات فى البحر الأحمر ومسارات الشحن الدولية، مشيرًا إلى أن عودة إيرادات قناة السويس إلى مستوياتها الطبيعية تتطلب تحسنًا ملموسًا فى أمن الملاحة البحرية، وعودة تدريجية لشركات الشحن إلى المسارات المعتادة، بما ينعكس إيجابًا على حركة التجارة العالمية.

وفى ملف تحويلات المصريين بالخارج، يلفت عبدالقادر إلى تحقيق قفزة تاريخية، حيث بلغت التحويلات نحو 32.6 مليار دولار خلال الفترة من فبراير 2024 إلى مارس 2025، معتبرًا أن توحيد سعر الصرف والقضاء على السوق الموازية أسهما فى تعزيز القنوات الرسمية للتحويلات، متوقعًا استمرار هذه التدفقات عند مستويات مرتفعة نسبيًا خلال عام 2026.

محمد كارم، الخبير السياحى، يقول: إن التوقعات الخاصة بقطاع السياحة المصرى تواصل اتجاهها الصعودى، مرجحًا أن يشهد عام 2026 زيادة ملحوظة فى أعداد السائحين وارتفاعًا واضحًا فى إيرادات القطاع، مدفوعة بعدة عوامل إيجابية تعزز جاذبية المقصد السياحى المصري.

ويوضح أن من بين أبرز هذه العوامل افتتاح المتحف المصرى الكبير، وما صاحبه من تسويق مكثف للمنتج الثقافى والتراثي، إلى جانب تنوع الفعاليات التى تستضيفها مصر على مدار العام، فضلًا عن حالة الاستقرار الإقليمى عقب وقف الحرب فى غزة، ما يسهم فى تعزيز ثقة السائحين ودفعهم لاختيار المقاصد السياحية المصرية، خاصة مع التحسن الملحوظ فى أداء شركات الطيران ودور منظمى الرحلات السياحية.

الخبير السياحى يشير إلى حدوث طفرة فى تسويق المقاصد السياحية المصرية داخل أسواق جديدة، إلى جانب تعزيز الحضور فى الأسواق التقليدية، لافتًا إلى أن هناك توسعًا ملحوظًا فى أسواق أوروبية رئيسية، مثل: ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا، التى تُعد من أهم الدول المصدرة للسياحة إلى مصر، مع تسيير رحلات يومية منتظمة لزيارة المقاصد السياحية المختلفة.

أيضًا، يؤكد أن الإقبال المتزايد لا يقتصر على الأسواق الأوروبية فقط، بل يمتد إلى أسواق واعدة، مثل: الصين والهند، إلى جانب السوق الخليجية، الذى يشهد نموًا لافتًا فى أعداد السائحين الوافدين إلى مصر، بما يعكس اتساع قاعدة الطلب السياحى وتنوع مصادره، ويدعم توقعات استمرار النمو القوى للقطاع خلال الفترة المقبلة.

كذلك، يرى حسام هزاع، الخبير السياحي، أن العام الجديد مرشح لأن يكون عامًا لـ «ترتيب الأوضاع» أكثر منه عامًا للقفزات السريعة، فى ظل سعى الاقتصاد المصرى إلى استعادة توازنه تدريجيًا والعودة إلى مسار أكثر استدامة، مشيرًا إلى أنه تم ظهور مؤشرات إيجابية خلال الفترة الأخيرة، من بينها تحسن نسبى فى إيرادات النقد الأجنبي، وانضباط أكبر فى السياسات المالية، إلى جانب محاولات جادة لتحسين مناخ الاستثمار، ناهيك عن أن التحدى الحقيقى لا يكمن فى تحقيق نتائج سريعة بقدر ما يتمثل فى القدرة على الاستمرار وبناء ثقة حقيقية لدى المستثمرين والسائحين، وهى عملية تتطلب وقتًا وجهدًا متواصلين على المديين المتوسط والبعيد.

ويشدد على أن الاستقرار الإقليمى يمثل عنصرًا حاسمًا فى قرارات السفر، لافتًا إلى أن استمرار وقف الحرب فى غزة سيكون له تأثير إيجابى مباشر على حركة السياحة الوافدة إلى مصر، لا سيما من الأسواق البعيدة التى تتأثر بشدة بأى توترات سياسية أو أمنية فى المنطقة، متوقعًا زيادة واضحة فى أعداد السائحين، خاصة خلال النصف الثانى من العام الجاري، مع تحسن ملحوظ فى متوسط مدة الإقامة، خاصة أن شعور السائح بالأمان يدفعه للبقاء لفترة أطول وزيادة إنفاقه، ما يمثل جوهر العائد الحقيقى من النشاط السياحى.

“هزاع” يضيف: مصر تظل مقصدًا سياحيًا جاذبًا بطبيعتها، مشيرًا إلى أن الأسواق الأوروبية التقليدية، مثل: ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا، تُبدى استعدادًا قويًا للعودة إلى السوق المصرية، إلى جانب أسواق أوروبا الشرقية، فضلًا عن الأسواق الخليجية الواعدة، خاصة مع تنامى الاهتمام بأنماط السياحة الثقافية والعلاجية.

وفيما يتعلق بتنويع مصادر السياحة، يؤكد أن مصر بدأت بالفعل السير فى الاتجاه الصحيح، لكنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من العمل ورسائل ترويجية أكثر دقة، بحيث يتم مخاطبة كل سوق بلغتها ووفق اهتماماتها الخاصة، بدلًا من الاعتماد على رسالة دعائية واحدة موجهة للجميع.

ويختتم: إن قطاع السياحة يعد من أسرع القطاعات فى جذب النقد الأجنبي، وأن انتعاشه بالشكل المأمول سيقدم دعمًا قويًا للاقتصاد الوطنى، سواء من خلال تحسين ميزان المدفوعات، أو تخفيف الضغوط على العملة، أو خلق فرص عمل حقيقية ومستدامة، لا سيما للشباب، ناهيك عن أن الميزة الكبرى للسياحة تكمن فى كونها صناعة كثيفة العمالة، إذ يقف خلف كل فندق ورحلة سياحية سلسلة طويلة من فرص العمل، تمتد من المرشد السياحى إلى الحرفى والصنايعى الصغير، مشددًا على أن ربط السياحة بالتنمية المحلية يحقق عائدًا اقتصاديًا واجتماعيًا فى آن واحد.