وثائق بخط يدها.. عن طماى الزهيرة وبداية رحلتها
«العائلة».. كلمة السر فى حياة «كوكب الشرق»
اختلف المؤرخون حول ميلاد أم كلثوم والسنة التى تحمل تاريخ مولدها فالبعض قال إنه عام 1898 وأكد البعض أنه عام 1904.. والثابت هنا ومن مستخرج رسمى لشهادة ميلاد «أم كلثوم إبراهيم السيد البلتاجى» أنها من مواليد «طماى الزهايرة» بمديرية أمن «الدقهلية» والتى رجحت كفة ولادتها سنة 1904.
ولدت أم كلثوم فى عائلة بسيطة تحمل طابعًا متدينًا، فقد كان والدها «الشيخ إبراهيم» إمام المسجد ومنشد القرية، يملأ ليالى القرية بصوت شجى التواشيح خاصة فى المناسبات الدينية.
أما والدتها «الست فاطمة» الريفية البسيطة بما تحمله تلك الصفات من صبر واحتواء لعائلتها، ورغم قلة دخل الأسرة كان يحيط أفرادها الدفء يظلهم القرآن الذى حفظته الطفلة الصغيرة فى أعوامها الأولى، مرددة خلف شيخ الكتاب آياته الكريمة.
التقط الشيخ إبراهيم صوت ابنته الصغيرة كما يلتقط الصائغ المجوهرات النفيسة، فأجلسها بجانبه فى حفلات الذكر والتى جلست فيها بحياء شديد والذى تحول إلى سحر خاص يهز قلوب المجلس والذى كان بمثابة شهادة ميلاد تخرج من رحم الريف ليؤثر فى وجدان أمة كاملة.
ولأن تقاليد الريف لا ترحم البنات قام والدها بحيلة تقمصها للصبية فألبسها ملابسهم لتشارك فى الإنشاد مع الفرقة الدينية.
وجدت الطفلة نفسها وحولها أنغام الذكر فى الموالد وأغانى الفلاحين فى مواسم الحصاد وحكايات النسوة أمام الأفران، حملت أم كلثوم كل هذه الفنون وهى لا تدرى أن كل ذلك بذرة تنمو لتتحول بعد ذلك إلى شجرة تظلل محبيها بسحر وظلال فريدة قلما تتكرر البيئة التى نشأت بها أم كلثوم رغم طابعها البسيط إلا أنه زرع بها المحافظة على التقاليد والصبر فبدأت الغناء وعمرها ثمانى سنوات فى منزل مأذون القرية دون مقابل، وكان أول غناء لها أمام جمع كبير غناء فى زفاف أحد أقاربها، فكان صوتها آسرًا للقلوب، وتوالت بعد ذلك الدعوات للغناء فى حفلات أخرى لتتقاضى أول أجر لها فى قرية قريبة «10 قروش» أجر الفرقة كاملة وتوالت بعد ذلك الحفلات لتحيى أفراحا فى مدينة المنصورة ومراكزها وقراها وتنجح حفلاتها ويصل أجرها جنيه ونصف.
وفى ليلة تتغير فيها الأقدار تعرفت أم كلثوم على الشيخ «أبوالعلا محمد» أثناء إحيائها لحفل بمدينة المحلة، وليكون أستاذًا لها ويغير مجرى حياتها بالذهاب معه إلى القاهرة.

لم تكن حياتها فى القاهرة سهلة، وكان والدها حريصا على متابعة تعليمها الدينى.. وظلت توائم بين دراستها وحضورها دروس الموسيقى وبين ارتباطها الروحى بالقرآن والتى قالت عنه فى أحاديث كثيرة أنه الأساس لكل من يريد أن ينشد الألحان.
كانت مذكرات أم كلثوم والتى كتبتها بخط يدها خير معبر عن نشأتها بلغة واضحة بسيطة وهى من كانت حريصة على مجالسة كبار الآدباء والمفكرين وتجمعها صداقات عديدة مع أهل الصحافة والأدب مثل توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وطه حسين وأنيس منصور وحسنين هيكل ومصطفى وعلى أمين.. علاقة سادها الاحترام لفنها قابلته أم كلثوم بحفاوة وإجلال.. الأدباء والمفكرون يغذون عقلها بالفكر والصحافة دعمت مسيرتها الفنية وأظهرت روحها الوطنية.
ظهر كل ذلك فى مذكراتها والتى أخذت عائلتها ونشأتها المقام الأكبر فيها حيث ذكرت علاقتها بأمها وأبيها وأنهما كانا حصنًا لها وداعمًا أثر فى مشوار حياتها.
تقول عن والدتها: «تعلمت من أمى التواضع وتعلمت منها الصدق وتعلمت منها الإيمان بالله».
وعن البيت الذى نشأت فيه كتبت أم كلثوم:
«لم أسمع من أبى وأمى فى يوم من الأيام شكوى بصوت مسموع من الفقر والحرمان الذى نعيش فيه كانا يحاولان دائمًا إخفاء الضيق عنا ولا يكشفان عن هذا الضيق إلا بعد صلاة الفجر عندما يتصوران أننى وأخى نائمان لا نسمع شيئا.. لكن هذه الهمسات عاشت معى كانت تدوى فى أذنى كنت أتصور أن كل ما أستطيع أن أقدمه لأمى هو أن أتطلع إلى السماء وأقول يا رب ساعد أمى».

ظلت أم كلثوم على علاقة وطيدة بأفراد عائلتها بعد ذلك ولم تنسها الشهرة الواسعة بين أرجاء المعمورة الصلة الروحية العميقة.. فهى المصرية الأصل والنبتة التى لا تنسى جذورها.. فهى جزء من روح مصر عاشت فيها وعبرت عنها بكل مشاعره ومناسباته الدينية والوطنية والاجتماعية وليظل صوتها عبر قرن كامل «صوت مصر».











