د. طارق الغنام
دعوة لإصدار قانون حماية الرموز الوطنية
فى دول العالم المتقدمة تعد حماية الرموز الوطنية ركيزة أساسية من ركائز الحفاظ على الهوية، فالأمم التى لا تصون قاماتها الرفيعة، ولا تحمى رموزها التاريخية والثقافية والفنية، تصبح عرضة للعبث بوعيها الجمعي، وتفريغ ذاكرتها من كنوزها، لتبدأ عملية الانهيار الحضارى من الداخل قبل الخارج. ولعل مصر- صاحبة التاريخ الأطول فى الحضارة الإنسانية، والمخزون الثقافى الأعظم- باتت فى أمس الحاجة اليوم لإصدار قانون واضح وصريح يجرم التطاول على رموز الأمة، حمايةً لهويتنا ومستقبلنا.
فرموز الأمة ليسوا مجرد شخصيات عابرة تركت أثرًا محدودًا وانتهى حضورها برحيلها؛ بل هم تلك القامات التى صنعت ملامح الوطن فى وجدان الناس، وارتبط اسمها بتاريخ الدولة، وحضورها الثقافى والإنساني.
رموزنا هم زعماؤنا التاريخيون الذين حفروا أسماءهم فى الذاكرة الوطنية مثل مصطفى كامل، محمد فريد، وسعد زغلول، وهم أيضاً رموز الفكر والأدب كطه حسين والعقاد ونجيب محفوظ، وهم رموز الفن والثقافة السامية كأم كلثوم وعبدالوهاب، وهم رموز المسرح الدرامى والفكر المعاصر مثل يوسف وهبي، وجورج أبيض.
هذه الشخصيات ليست أسماءً فى كتب، بل محطات شكلت وجدان المصريين، وأعطتهم القوة والاعتزاز والانتماء، وخلقت صورة مصر فى أعين العالم.
الرموز الوطنية ليست ملكاً فردياً، ولا مناصب مرحلية، وإنما ذخيرة معنوية تعيش فى قلوب المجتمع، وصورته الأخلاقية أمام نفسه، وقيمته أمام العالم، وإن أى إنسان حين يتطاول على رمز أمته لا يطعن شخصًا بعينه، بل يطعن وطنًا بأكمله، ويهدم صرحاً نفسياً وروحياً يستمد منه الناس الثقة والانتماء. إن هذه الرموز تعمل كقوة داخلية تمنح المجتمع عزة وكرامة، لهذا فإن التطاول عليها يمس صميم وجدانها الثقافى والوطنى فلا يمكن قياس هذه القامات بقياس غيرها، فهم يمثلون طبقة من الوعى الحضارى المتوارث عبر أجيال، ولا يجوز أن يوضعوا تحت أقدام من لا يعرف قيمتهم أو من يسعى لتشويه صورتهم.
لقد شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة هجمات منظمة وشرسة تستهدف الرموز الفنية والثقافية، تهدم تاريخها وتشكك فى قيمتها، وتعيد تأويل سيرتها لخدمة أغراض بائسة أو مصالح رخيصة، ومؤخراً لاح فى الأفق مثال صارخ على ذلك فى الفيلم المعروض حديثاً«الست»، الذى ينال من سيرة ومسيرة سيدة الغناء العربى أم كلثوم- سفيرة مصر للعالم، ورمز قوتها الناعمة التى غزت قلوب الشعوب وعبرت الحدود فى محاولة لتشويه صورة امرأة صنعت لمصر عظمة فنية وثقافية، فأم كلثوم ليست فنانة فقط؛ هى جسر ثقافى نقل مصر إلى العالم، والإساءة إليها ليست نقداً فنياً، بل طعن فى ذاكرة شعب.
فى السياق ذاته يتعرض اليوم رمز المسرح المصرى الفنان الكبير محمد صبحى لهجمات إعلامية رخيصة لا هدف لها سوى كسر مكانته ونبله، فقط لأنه ما زال صامدًا يدافع عن الوعى والفن الراقي.. محمد صبحى رمز قومى حى للفن الهادف والفكر المستنير، ولا ينبغى تركه وحيداً أمام هجمات من يحاولون هدم كل قيمة مضيئة فى المجتمع.
إن ترك مساحة مفتوحة بلا قيود للنيل من رموزنا يخلق فوضى فكرية خطيرة ويمنح الجهلاء سلطة على التاريخ. من هنا تأتى الدعوة إلى إصدار قانون مصرى جديد يحمل عنوان« قانون حماية الرموز الوطنية».










