الخميس 8 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الذكاء الاصطناعى والإبداع القانونى..  هل سيحل الذكاء الاصطناعى محل الإبداع القانونى البشرى أم سيقتله؟

الذكاء الاصطناعى والإبداع القانونى.. هل سيحل الذكاء الاصطناعى محل الإبداع القانونى البشرى أم سيقتله؟

كل يوم يحقق الذكاء الاصطناعى تقدماً هائلاً فى محاكاة القدرات البشرية، وخاصة فى المجال القانوني، حيث يقوم الآن الذكاء الاصطناعى من خلال أدوات مثل ChatGPT  إلى البحث القانونى فائق السرعة، تحليل الأحكام القضائية والنصوص القانونية، كتابة المذكرات القانونية، كتابة القرارات القضائية أو التحكيمية، تحليل الوقائع وتلخيصها، عرض وتحليل المقارنات المعيارية فى الأنظمة القانونية، والكثير من المهام القانونية الأخرى، مما دفع الكثيرين للتساؤل عما إذا كان بإمكان الذكاء الاصطناعى فى نهاية المطاف أن يحل محل الإبداع البشرى القانوني.



الإبداع القانونى هو القدرة على الفهم العميق لأحكام القانون وفلسفته، والمرونة والموضوعية فى التفكير، لابتكار منهج أو طرق أو أساليب جديدة وغير تقليدية للمشكلات القانونية أو تطوير الأنظمة القانونية أو الأحكام القضائية بما يوائم متغيرات المجتمع أو متطلبات العدالة الناجزة. 

يتمثل جوهر الذكاء الاصطناعى فى محاكاة العقل البشرى، حيث يعتمد على ابتكار آلات أو خوارزميات قادرة على محاكاة الذكاء البشرى أو تجاوزه، بما فى ذلك التعلم وحل المشكلات واتخاذ القرارات، ويشهد تقدم الذكاء الاصطناعى اليوم تقدما مذهلا، حيث نمتلك الآن أنظمة ذكاء اصطناعى قادرة على هزيمة البشر فى الشطرنج، وعلاج وتطبيب البشر، وإدارة الحروب والتحكم فيها من بعد، لكن ربما الأهم من ذلك، أن الذكاء الاصطناعى بدأ يُظهر بوادر الإبداع فى مجالات عدة، حيث يُمكن للذكاء الاصطناعى أن يُساعد الناس على أن يكونوا مبدعين من خلال تزويدهم بأفكار ووجهات نظر جديدة.  كما يُمكنه مساعدتهم على رؤية الروابط بين الأشياء التى ربما لم يلاحظوها لولا مساعدة الذكاء الاصطناعى. علاوة على ذلك، يُمكن للذكاء الاصطناعى أن يُساعد الناس على فهم المشكلات المعقدة بشكل أفضل وإيجاد طرق جديدة لحلها.

وفى المجال القانونى، بدأ استخدام الذكاء الاصطناعى فى الأعمال القانونية، حيث بدأ البعض فى استخدام ChatGPT  فى كتابة أو تحليل أو ضبط الأعمال القانونية، فهل يمكن أن يكون قادراً على الإبداع القانونى؟ فى الحقيقة من خلال تجاربى مع بعض الممارسين لنظام ChatGPT  فى العمل القانونى، فإن نتاج أعمالهم لم أر فيها إبداعاً قانونياً بالمفهوم السابق ذكره، فأنا لا أنكر أن استخدام الذكاء الاصطناعى له فوائد فى البحث القانونى، وقد يؤثر مستقبلاً على العديد من الوظائف القانونية، لكن سينجو من ذلك القادر على الإبداع القانونى حيث إن الذكاء الاصطناعى لا يستطيع – فى الوقت الحالى على الأقل - أن يحل محل البشر تماماً فى العملية الإبداعية، حيث إن الإبداع يتجاوز مجرد القدرة على توليد الأفكار، فهو يشمل أيضاً القدرة على التكيف مع المتغيرات، والتعاطف مع البشر وفهم احتياجاتهم وتقديم حلول تلبى تلك الاحتياجات بطريقة فريدة.

إلا أنه يُمكن للذكاء الاصطناعى بالتأكيد أن يلعب دوراً فى جعل الناس مبدعين، وهذا لا يكون إلا مع الأشخاص القانونيين الذين لديهم فى الأصل معرفة وفهم جيدين للقانون وفلسفته(الملكة القانونية)، فهؤلاء الأشخاص سوف يكون تأثير الذكاء الاصطناعى إيجابى لديهم، وبالعكس الأشخاص الذين لديهم معرفة وفهم قانونى ضعيف أو غير مؤسس، فإنه للأسف يكون تأثير الذكاء الاصطناعى عليهم سلبياً، حيث سيٌقدمون للمجتمع نتائج ومخرجات الذكاء الاصطناعى، وكأنها هى الصحيحة المطلقة قانوناً، ولكن بعد المراجعة تبين أنها غير مكتملة أو ناقصة أو بها أخطاء قانونية أو تخالف فلسفة التشريع أو أهدافه أو أن الأحكام القضائية التى تم الاستناد لها غير صحيحة أو تحليل الوقائع مخالف للحقيقة، لذلك دوماً أقول إن “استخدام الذكاء الاصطناعى فى المهن القانونية، سوف يجعل القانونى الجيد أكثر ذكاءً، والقانونى الضعيف أكثر ضعفاً”.

ومن ناحية أخرى، وبالنسبة للمبدعين القانونيين، فإنه مع مرور الوقت والاستخدام المتكرر للذكاء الاصطناعى والاعتماد عليه كلية فى العمل القانونى، سوف يبدأ تدريجياً العقل القانونى الإبداعى البشرى فى تقليل أفكاره وإبداعاته، حيث الإبداع القانونى كما هو فهم وتعلم، فهو أيضاً ممارسة، حيث تكرار الاعتماد على ممارسات الذكاء الاصطناعى فى العمل القانونى والاعتماد عليه كليةً، سوف يقتل تدريجياً الإمكنات العقلية القانونية الإبداعية التى تكونت لدى الأشخاص القانونيين خلال فترة ممارستهم للقانون، وبالتالى تتجمد أفكارهم القانونية وتقف عند حدود معينة، ويخرج هؤلاء من دائرة المبدعين القانونيين وربما الخروج نهائياً من سوق العمل القانونى.