د.إبراهيم درويش
ميلادُ المعجزة ووحدةُ القيم.. تأصيل المواطنة المصرية من خلال قصة المسيح فى القرآن
مع إشراق العام الميلادى الجديد، تتجدد الأسئلة الكبرى حول مفهوم الانتماء والهوية، وكيفية بناء مجتمع متماسك قادر على مواجهة التحديات المعاصرة. وفى قلب هذا التساؤل، تتجلى قصة ميلاد السيد المسيح عليه السلام فى القرآن الكريم، ليس فقط بوصفها حادثة تاريخية معجزة، بل كرسالة أخلاقية وفلسفية يمكن أن تؤسس لنهج حضارى للمواطنة المصرية وتعزيز وحدة الصف الوطنى.
القصة القرآنية لا تقدم مجرد سرد تاريخى، بل خطابًا قيمياً موجّهًا للعقل والضمير معًا. إنها تذكّرنا بأن التنوع الدينى لا يناقض الانتماء الوطنى، وأن القيم الأخلاقية المشتركة هى الأساس الحقيقى لاستقرار المجتمع المصرى وازدهاره.
الميلاد المعجز... قدرات الله وتحرير العقل البشرى
يؤكد القرآن الكريم أن ميلاد المسيح عليه السلام كان آية كبرى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾. هذه الآية لا تهدف فقط إلى سرد المعجزة، بل إلى توسيع أفق العقل البشرى، لتفهم قدرة الله المطلقة وتؤكد أن الإيمان لا يتعارض مع التفكير العقلانى.
فى فلسفة العقل، تعتبر المعجزة دعوة للوعى بأن العالم ليس محصورًا فى حدود المألوف، وأن الاختلاف فى طرائق الخلق لا يُفقد النظام. وهذا يدعم فكرة المواطنة المصرية الجامعة، حيث يحترم كل فرد اختلاف الآخر، ويعيش الجميع ضمن إطار واحد من القيم المشتركة.
مريم العذراء... نموذج الطهر والصبر
لم يكتف القرآن بسرد ميلاد المسيح، بل أظهر السيدة مريم نموذجًا للثبات والصبر والطهر: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾. مريم هنا تمثل قيمة إنسانية تتجاوز الدين، فهى نموذج لكل مواطن مصرى يتحلى بالصبر فى مواجهة التحديات الاجتماعية.
تاريخيًا، كانت مصر دائمًا ملتقى للديانات والثقافات، ومريم تذكرنا بأن الاحترام للآخر والثبات على القيم الإنسانية هو ما يبنى مجتمعًا متماسكًا، قادرًا على مواجهة أزمات الزمن الحديث.
المسيح فى القرآن... رسالة الأخلاق والرحمة
يعرض القرآن المسيح عليه السلام كنبى يحمل رسالة رحمة وعدل: ﴿وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾. البركة هنا ليست مجرد حدث خارجى، بل تأثير أخلاقى على الفرد والمجتمع، من خلال نشر الخير، ومساعدة المحتاجين، وتعزيز السلام.
منهج المسيح فى القرآن يقوم على ثلاثة أركان رئيسية:
-1 العبادة التى تهذب النفس وتزرع الوعى الروحى.
-2 العدالة الاجتماعية التى تحمى الفقراء وتوازن المجتمع.
-3 السلام الداخلى والخارجى الذى يُصلح العلاقات ويمنع الانقسام.
هذه القيم تلتقى مع المبادئ الوطنية التى ترسخ المواطنة فى مصر: العدالة، الاحترام، التضامن الاجتماعى، والعمل من أجل المصلحة العامة.
من القصة إلى الواقع... تعزيز وحدة الصف
الأهمية الحقيقية لقصة الميلاد ليست فى تفاصيلها التاريخية، بل فى الدرس القيمى الذى تحمله. فالقرآن حين يكرم المسيح وأمه، يقدم نموذجًا لإدارة الاختلاف الدينى دون صراع، ويؤكد أن التعدد سنة كونية يمكن إدارتها بالحكمة والاحترام.
وحدة الصف الوطنى لا تعنى ذوبان الهويات، بل احترامها ضمن إطار جامع يقوم على القانون والحقوق المتساوية. وهذا هو جوهر المواطنة المصرية، التى تجمع المصريين على اختلاف طوائفهم ومعتقداتهم فى إطار قيم مشتركة ترسخ الانتماء للوطن.
المواطنة... الامتحان الحقيقى للقيم الدينية
فى الدولة الحديثة، المواطنة معيار لا الدين ولا العرق. قصة المسيح فى القرآن تدعم هذا المفهوم بوضوح، فالكرامة الإنسانية هى الأصل الثابت، والعدل أساس العمران. حين يشعر المواطن المصرى بمساواته فى الحقوق والواجبات، تصبح الدولة مساحة أمان، ويصبح التضامن الاجتماعى هدفًا عمليًا.
ومن هذا المنطلق، تعزيز المواطنة ليس خروجًا عن الدين، بل تطبيق عملى لقيمه، حين يتحول الإيمان إلى التزام أخلاقى تجاه الوطن والمجتمع، ويصبح الانتماء الوطنى أسمى من الانتماء الطائفى.
قراءة جديدة للدين فى زمن الأزمات
فى عالم مضطرب، كثيرًا ما يُستخدم الدين كوقود للصراع، بينما يقدم القرآن نموذجًا مغايرًا: دين يبنى ويجمع ولا يفرق. ميلاد المسيح بما يحمله من رحمة ومعجزة يذكرنا بأن الإيمان الحقيقى هو قوة بناء، وليست أداة تقسيم.
أبعاد فلسفية واجتماعية للمواطنة المصرية
المواطنة الحقيقية فى مصر تستمد قوتها من القيم التى يؤكدها القرآن: الرحمة، العدالة، التواضع، والتضامن. حين يُدرك كل مصرى أن دوره فى المجتمع جزء من مشروع أخلاقى أوسع، يصبح التعدد الثقافى والدينى ثروة لا تهديدًا، ويصبح الوطن حاضنًا لكل أبنائه دون استثناء.
القرآن يعلمنا أن حماية الوحدة الوطنية تبدأ بالاحترام المتبادل، وبالعمل على خدمة الناس لا تقسيمهم، وهذا هو جوهر بناء مصر الحديثة، حيث المواطن هو حجر الأساس، والقيم الأخلاقية هى الأساس المتين.
ختامًا: بداية عام جديد... فرصة لإعادة البناء
مع مطلع العام الميلادى الجديد، تزداد الحاجة إلى استلهام القيم الأخلاقية من قصص القرآن، خصوصًا قصة ميلاد المسيح، لتحويلها إلى مشروع وعى وطنى شامل. إنها دعوة للمصريين جميعًا للاختلاف دون صراع، والتعاون دون تفرقة، وجعل القيم المشتركة جسرًا لوحدة الصف والمواطنة.
هكذا يتحول العام الجديد من مجرد رقم على التقويم إلى فرصة حقيقية لبناء مجتمع مصرى متماسك، يؤمن بالاختلاف، ويحسن إدارته، ويجعل من القيم جسرًا للمستقبل.






