الأحد 25 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

فوضى الجماعة الإرهابية بعد 2011.. سنوات الارتباك الاقتصادى

لم تكن أحداث 25 يناير 2011 مجرد لحظة سياسية فارقة فى التاريخ المصرى الحديث، بل شكّلت نقطة تحول عميقة فى المسار الاقتصادى للدولة، حيث تزامنت تلك الأحداث مع حالة غير مسبوقة من الفوضى، ما انعكس بشكل مباشر وسريع على مؤشرات الاقتصاد الكلي، وأصاب قطاعات حيوية فى مقتل، فبين تراجع احتياطى النقد الأجنبي، وانهيار قطاع السياحة، وصعود السوق السوداء، واضطراب تحويلات المصريين بالخارج، تكبد الاقتصاد المصرى كلفة باهظة لسنوات طويلة.



«احتياطى النقد الأجنبى .. نزيف وضغوط ممتدة»

قبل يناير 2011، كان احتياطى النقد الأجنبى لدى البنك المركزى المصرى يمثل أحد صمامات الأمان للاقتصاد، حيث وفر غطاءً مريحًا للواردات الأساسية وساهم فى استقرار سعر الصرف، إلا أن حالة الفوضى والارتباك التى صاحبت الأحداث أدت إلى استنزاف سريع لهذا الاحتياطى، إذ تراجع الاحتياطى النقدى الأجنبى من نحو 36 مليار دولار فى نهاية 2010 قبل الثورة، إلى 15 مليار دولار فى نهاية مارس 2012، وهو انخفاض كبير مقارنة بمستواه قبل الثورة.

تراجع الاستثمارات وهروب الشركات

وتشير الإحصاءات، إلى أنه منذ قيام ثورة يناير بلغ إجمالى التدفقات النقدية الأجنبية التى خرجت من مصر بنهاية العام المالى 2013، نحو 21.69 مليار دولار، وواجه الاستثمار حين ذاك، صعوبات بالغة نتيجة غياب الاستقرار والأمن وتعطل عدد من المشروعات الاستثمارية نتيجة المظاهرات الفئوية، كما واجهت الشركات الأجنبية أزمات كبيرة فى السوق المصرية، تمثلت فى ارتفاع التكلفة نتيجة المخصصات المالية التى رصدتها تلك الشركات لإعادة تأهيل وتدريب العمالة. 

ولم يشهد الاقتصاد المصرى فقط، تراجع فى حجم تدفقات الاستثمار الأجنبى لمصر، لكن صاحبه أيضًا خروج العديد من الشركات الأجنبية وتصفية أعمالها بسبب عدم الاستقرار والافتقار إلى الأمن والأمان أساس أى مشروع استثمارى، إلى جانب نقل بعض الشركات المحلية استثماراتها إلى خارج البلاد.

كما أدت قرارات بعض المؤسسات الدولية، بخفض التصنيف الائتمانى لمصر نتيجة حالة الانفلات الأمنى التى شهدتها البلاد عقب الأحداث، إلى جانب مخاوف المستثمرين من إقامة مشروعات استثمارية جديدة فى مصر، وتحويل الكثير من الشركات الأجنبية لأرباحها للخارج، إذ بلغت قيمة هروب الاستثمارات الأجنبية من مصر 2011/2012  نحو 7.4 مليار دولار، إلى جانب تحويل أرباح الشركات الأجنبية للخارج بقيمة 6.5 مليار دولار.

“المركزى ” يقاوم الصدمات لإحياء الاقتصاد

ومع هروب جزئى للاستثمارات الأجنبية، وتراجع عائدات السياحة، وتزايد الطلب على الدولار من الأفراد والمستوردين، وجد البنك المركزى نفسه مضطرًا للتدخل المتكرر للدفاع عن الجنيه وتمويل احتياجات الاستيراد، خاصة السلع الاستراتيجية كالقمح والوقود، هذا النزيف المتسارع لم يكن مجرد رقم سلبى فى البيانات الرسمية، بل كانت له تداعيات ممتدة، أبرزها تراجع الثقة فى الاقتصاد، وارتفاع تكلفة الاقتراض الخارجي، فضلًا عن أن تراجع الاحتياطى أدى إلى تضييق هامش الحركة أمام صانع القرار النقدي، فباتت أى صدمة خارجية أو داخلية تمثل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاقتصادي، ما دفع لاحقًا إلى تبنى سياسات أكثر صرامة وإصلاحات مؤلمة لاستعادة التوازن.

“السياحة..  القطاع الأكثر نزفًا”

كان قطاع السياحة من أكثر القطاعات تضررًا من تداعيات الفوضى، باعتباره شديد الحساسية للاستقرار الأمنى والسياسي، فمع تصاعد مشاهد الاضطراب وتراجع الإحساس بالأمان خلال 2011، ألغت شركات السياحة العالمية رحلاتها إلى مصر، وتراجعت نسب الإشغال الفندقى إلى مستويات غير مسبوقة.

هذا التراجع الحاد فى أعداد السائحين انعكس مباشرة على الإيرادات الدولارية، التى كانت تمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، حيث تجاوزت إيرادات السياحة 12.5 مليار دولار فى عام 2010، بينما انخفضت بشكل كبير فى عام 2011 بسبب تراجع عدد السائحين وتساقط الحجوزات، وبلغت نحو 8.7 مليار دولار فى 2011 وفق بعض التقديرات.

ولم يتوقف التأثير عند حدود الخزانة العامة، بل امتد ليضرب ملايين العاملين المرتبطين بالسياحة بشكل مباشر أو غير مباشر، من عمالة الفنادق، إلى المرشدين السياحيين، وسائقى النقل السياحى، والحرف المرتبطة بالمزارات التاريخية، لتتحول السياحة من قاطرة للنمو إلى عبء اجتماعى، حيث فقد آلاف العاملين مصادر دخلهم، وازدادت معدلات البطالة، خاصة فى المدن السياحية، ما عمّق من الأثر الاجتماعى للأزمة، وربط بين الفوضى الأمنية والضغوط المعيشية اليومية.

“السوق السوداء .. اقتصاد الظل يفرض نفسه”

فى ظل الارتباك الاقتصادى وتراجع موارد النقد الأجنبى، برزت السوق السوداء كإحدى أخطر إفرازات الفوضى، فمع زيادة الطلب على الدولار، وتراجع المعروض الرسمى، نشطت قنوات غير رسمية لتداول العملة، ما أدى إلى تشوهات حادة فى سوق الصرف.

ولم تكن السوق السوداء مجرد انعكاس لأزمة نقدية، بل أصبحت عاملًا مضاعفًا للأزمة، حيث ساهمت فى رفع الأسعار، وزيادة معدلات التضخم، وإضعاف الثقة فى الجهاز المصرفي، كما شجعت على المضاربة والاحتكار، وأضعفت قدرة الدولة على ضبط الأسواق، وحرمت الخزانة العامة من موارد كان يمكن توجيهها للتنمية.

وامتدت آثار السوق السوداء إلى مختلف القطاعات، إذ انعكست فروق الأسعار على تكلفة الإنتاج والاستيراد، ما دفع كثيرًا من الشركات إلى تقليص أنشطتها أو الخروج من السوق، فى حلقة مفرغة غذّت الركود الاقتصادي.

“التحويلات بالخارج بين القلق والتردد”

تُعد تحويلات المصريين العاملين بالخارج أحد الأعمدة الرئيسية للاقتصاد المصرى، ومصدرًا مهمًا للنقد الأجنبى، إلا أن أجواء عدم اليقين التى أعقبت أحداث يناير 2011 ألقت بظلالها على هذا المورد الحيوى، حيث يؤكد الدكتور وليد جاب الله، الخبير الاقتصادي، أنه مع تذبذب سعر الصرف وانتشار السوق السوداء، فضّل بعض العاملين بالخارج الاحتفاظ بمدخراتهم أو تحويلها عبر قنوات غير رسمية بحثًا عن سعر أفضل، ما قلل من استفادة الجهاز المصرفى الرسمى من هذه التدفقات، كما أثرت المخاوف من الاستقرار الاقتصادى والسياسى على قرارات الادخار والاستثمار لدى المصريين فى الخارج.

ويضيف : مع دخول مصر فى حالة الاضطراب السياسى منذ يناير 2011، بدأ الاقتصاد المصرى فى حالة من التراجع الحاد المرتبط بتوقف عجلة الإنتاج، لتتحول مطالب تحقيق العدالة الاجتماعية إلى واقع متمثل فى البحث عن سبل توزيع الفقر الناتج عن تراجع إيرادات الدولة، بتوقف آلاف المصانع، وتراجع حركة السياحة، وتباطؤ جميع القطاعات الاقتصادية، ولم يكن المواطن يشعر بحجم الكارثة الاقتصادية فى بداية الأمر، بفعل اعتماد مصر على الاحتياطى النقدى، ومساعدات الدول الشقيقة، لكن مع مرور الوقت بدأت تظهر المشكلات، حيث لم تتمكن الدولة من سداد مستحقات الشركاء الأجانب فى قطاع البترول والغاز، ما أدى إلى توقف استثماراتهم، وتحول مصر من مُصدّر إلى مُستورد للغاز، كما ظهرت أزمات عدم توافر الوقود، وانقطاع التيار الكهربائى والمياه، وأصبح الحصول على أسطوانة بوتاجاز أمرًا بالغ الصعوبة، فضلًا عن عدم توافر الكثير من الأدوية والسلع الأساسية، فى ظل صعوبات كبرى للمستثمرين والمواطنين بفعل عدم توافر الأمن.

“جاب الله”  يوضح أن الكثير من المصانع توقف تأثرًا بالاحتجاجات الفئوية، ومع تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى، كانت المرحلة الأولى هى العمل على توفير الطاقة والاحتياجات الأساسية للمواطن، وقد ساعدتنا فى ذلك الدول الشقيقة، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات، لكن لم يكن لدولة مثل مصر أن تستمر معتمدة على المنح والمساعدات، فالاقتصاد المصرى واحد من أكثر اقتصاديات دول منطقة الشرق الأوسط تنوعًا، حيث تشارك قطاعات الزراعة والصناعة والسياحة والاستخراجات والخدمات بنسب شبه متقاربة فى تكوينه الأساسى، فضلًا عن دور قناة السويس وتحويلات المصريين بالخارج كمصادر للدخل القومى لدولة تصل قوة العمالة بها نحو 30 مليون عامل، وهى الأمور التى بدأت الجمهورية الجديدة، بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى، فى تهيئة المناخ لإعادة اكتشافها والبناء عليها من أجل صناعة المستقبل المصري، رغم صعوبة التحديات الداخلية والخارجية.

وفى لحظة فارقة من تاريخ الاقتصاد المصري، تلقت السياحة إحدى أعنف الضربات عقب أحداث 25 يناير، باعتبارها من أكثر القطاعات حساسية للتقلبات السياسية والأمنية، حيث يؤكد محمد كارم، الخبير السياحي، أن ما جرى لم يكن مجرد تراجع عابر فى حركة السفر، بل كان بمثابة «ضربة فى الصميم» لأحد الأعمدة الرئيسية للاقتصاد الوطني، انعكست آثارها سريعًا على مختلف المؤشرات الاقتصادية، وفى مقدمتها الاحتياطى من النقد الأجنبى وميزان المدفوعات.

ويلفت كارم إلى أن صورة المقصد السياحى المصرى تعرضت لتشوه كبير فى الأسواق العالمية آنذاك، مع تصاعد المخاوف الأمنية وتراجع الثقة لدى السائحين وشركات السفر الدولية، ما أدى إلى إلغاء نحو 99% من البرامج السياحية خلال فترة قصيرة، ولم يقتصر الأمر على تراجع الحجوزات فقط، بل انسحبت شركات سياحية عالمية من السوق المصرية، فى خطوة عكست حجم الأزمة وحدتها، وأثرت بشكل مباشر على تدفقات النقد الأجنبى.

الخبير السياحى يشير إلى أن السياحة تمثل موردًا حيويًا للعملات الأجنبية، ومن ثم فإن الانخفاض الحاد فى إيرادات القطاع شكّل ضغطًا كبيرًا على الاحتياطى النقدى لدى البنك المركزى المصرى، خاصة فى ظل تزامن ذلك مع تراجع مصادر أخرى للعملة الصعبة، منوهًا إلى أن تداعيات الأزمة لم تكن مالية فحسب، بل امتدت إلى البعد الاجتماعى، حيث فقد مئات الآلاف من العاملين وظائفهم، سواء بشكل مباشر داخل المنشآت الفندقية والشركات السياحية، أو بشكل غير مباشر عبر الأنشطة المرتبطة بالقطاع.

“كارم ” يشير  إلى أن السياحة تُعد شبكة اقتصادية متكاملة تمتد من الفنادق وشركات الطيران إلى الحرف اليدوية والصناعات المغذية والخدمات اللوجيستية، وتوفر فرص عمل لآلاف الأسر، ومن ثم فإن أى اهتزاز فى هذا القطاع ينعكس فورًا على قطاعات أخرى، ما يضاعف من حجم الخسائر الاقتصادية والاجتماعية، مشددًا على أن قطاع السياحة يمتلك قدرة استثنائية على التعافى السريع متى توافرت مقومات الاستقرار، وأثبتت التجربة المصرية هذه الحقيقة بوضوح، حيث بدأ القطاع يستعيد عافيته تدريجيًا مع تحسن الأوضاع الأمنية ووجود إدارة واعية قادرة على التعامل مع الأزمات واحتواء آثارها فى توقيتات مناسبة.

ويختتم : السنوات الماضية شهدت تحركات مدروسة لإعادة بناء الثقة فى المقصد السياحى المصرى، من خلال فتح أسواق جديدة، وتنويع الأنماط السياحية، وتطوير البنية التحتية والخدمات السياحية، بما أسهم فى عودة النشاط تدريجيًا واستعادة مكانة مصر على خريطة السياحة العالمية، قائلًا:  إن السياحة تمثل قاطرة حقيقية للتنمية الاقتصادية، خاصة فى ظل الخطط الطموحة التى تستهدف جذب 30 مليون سائح خلال السنوات المقبلة، وأن الحفاظ على استقرار القطاع ودعمه يُعد استثمارًا مباشرًا فى مستقبل الاقتصاد المصرى وقدرته على النمو وتوليد فرص العمل.