الجمهورية الجديدة
كيف تعافت مصر من نزيف 25 يناير الاقتصادى؟
إسلام عبد الرسول
احتياطى قوى..نمو متدرج.. وتصنيف ائتمانى مستقر
مر الاقتصاد المصرى بعد أحداث يناير 2011، بمرحلة بالغة الصعوبة، اتسمت بتراجع مؤشرات الأداء، وانكماش الاستثمارات، وتآكل الاحتياطيات النقدية، فى ظل حالة من عدم الاستقرار الذى شهدته البلاد، أثّرت بعمق على قدرة الدولة على إدارة مواردها وتحقيق التنمية. إلا أن هذه المرحلة لم تكن نهاية المسار، بل نقطة انطلاق لتحول واسع النطاق، ومع تدشين الجمهورية الجديدة، بدأت الدولة المصرية تنفيذ رؤية إصلاحية شاملة أعادت ترتيب الأولويات، ورسخت دعائم الاستقرار المالى والنقدى، وفتحت الطريق أمام النمو المستدام.
تحولت المؤشرات السلبية تدريجيًا إلى قصص نجاح، وانتقل الاقتصاد من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص، مدعومًا بمشروعات قومية كبرى، وإصلاحات هيكلية، ومناخ استثمارى أكثر جذبًا، ليؤكد أن ما تحقق لم يكن تعافيًا مؤقتًا، بل تحولًا إيجابيًا يعكس قدرة الدولة على تجاوز الأزمات وبناء مستقبل اقتصادى أكثر قوة.
يشهد الاقتصاد المصرى فى عهد الجمهورية الجديدة، تحت قيادة السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى، مرحلة تصحيح وتعديل مسار نحو تعزيز الاستقرار النقدى وتحفيز النمو، بالتوازى مع الالتزام ببرنامج إصلاح اقتصادى وهيكلى، يستهدف استعادة ثقة المستثمرين وتحسين مؤشرات الاستدامة المالية.
احتياطى نقدى أجنبى عند مستويات تاريخية
سجل صافى الاحتياطى النقدى الأجنبى لدى البنك المركزى المصرى ارتفاعًا ملحوظًا خلال الأشهر الأخيرة ليتجاوز حاجز الـ50 مليار دولار، مسجلًا 51.4 مليار دولار، وهو أعلى مستوى فى تاريخ الاحتياطيات النقدية المصرية.
ويعكس هذا التحسن تدفقات نقدية إيجابية من عدة مصادر، فى مقدمتها تحويلات المصريين العاملين بالخارج، وانتعاش قطاع السياحة، إلى جانب تدفقات استثمارية مباشرة وغير مباشرة، فضلًا عن التمويلات الميسرة من شركاء دوليين مع توقعات بوصول الاحتياطى إلى 55 مليار دولار الفترة المقبلة.
تفاؤل المؤسسات الدولية بتحقيق نمو جيد
وعلى صعيد النمو، تشير التقديرات الرسمية وتوقعات المؤسسات الدولية، إلى أن الاقتصاد المصرى يحقق معدل نمو يقترب من 4.4% خلال العام المالى 2024/2025، مع توقعات بارتفاعه إلى ما بين 4.7% و4.9% خلال العام المالى المقبل، مدفوعًا بتحسن أداء قطاعات السياحة والنقل والاتصالات والصناعات التحويلية، إذ توقع صندوق النقد الدولى تحقيق معدل نمو 5.4% العام المالى المقبل.
ورغم هذا التحسن النسبى، لا يزال معدل النمو أقل من المستهدفات الحكومية، وهو ما يعكس استمرار تأثير الضغوط التضخمية وارتفاع تكلفة التمويل.
تصنيف ائتمانى مستقر
وفيما يتعلق بالتصنيف الائتمانى، أبقت وكالات التصنيف الدولية الكبرى على تصنيف مصر السيادى عند مستويات تعكس مخاطر ائتمانية مرتفعة نسبيًا، لكنها مستقرة، فقد ثبتت وكالتا فيتش وستاندرد آند بورز، التصنيف عند مستوى B مع نظرة مستقبلية مستقرة، بينما أبقت موديز على تصنيف Caa1 مع نظرة إيجابية.
كما أشارت وكالات التصنيف، إلى أن استمرار برنامج الإصلاح الاقتصادى، وتحسن الاحتياطيات الأجنبية، والسيطرة التدريجية على عجز الحساب الجارى، تمثل عوامل داعمة للتصنيف، فى مقابل تحديات لا تزال قائمة، أبرزها ارتفاع الدين العام وأعباء خدمته، والاعتماد النسبى على التمويل الخارجى، وتأثر الاقتصاد بالتطورات الإقليمية.
تلك الطفرة الاقتصادية، جاءت مدعومة بالتوسع فى استثمارات القطاع الخاص التى حققت نموًا لافتًا بنسبة 25.9% لتستحوذ على 66% من إجمالى الاستثمارات الكلية.
وشهد العام الماضى، نموًا غير مسبوق فى عدة قطاعات إنتاجية شملت الصناعة والسياحة والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، هذا بالإضافة إلى تعافى نشاط قناة السويس ليسجل نموًا موجبًا للمرة الأولى منذ الربع الثانى للعام المالى 23/2024.
السياحة.. تعود إلى أوج ازدهارها
عادت الحركة السياحية إلى أوج ازدهارها خلال عام 2025، بدعم توسع الاستثمارات فى البنية التحتية، بمشاركة القطاع الخاص، حيث نمت بنسبة 13.8% مقارنة بالعام قبل الماضى 2024.
وتشير التوقعات إلى أن ترتفع إيرادات السياحة من 17.1 مليار دولار أمريكى فى عام 2025 إلى 19 مليار دولار أمريكى بحلول عام 2029، وذلك من خلال استقطاب ما بين 18.7 مليون إلى 19 مليون سائح بنهاية العام، مع أرقام أولية تظهر استقبال 18.3 مليون سائح حتى أواخر 2025، وسط انتعاش ملحوظ فى الحركة السياحية مدفوعة بالترويج للمقصد المصرى، وافتتاح مشروعات كبرى مثل المتحف المصرى الكبير، الذى من المتوقع أن يجذب حركة مرور دولية كبيرة، ويعكس الآفاق الإيجابية للقطاع ويعزز مكانة مصر كوجهة سياحية عالمية.
تحويلات المصريين بالخارج.. تتدفق
وتصاعدت تحويلات المصريين العاملين بالخارج، خلال الشهور التسعة الأولى من العام الميلادى 2025 “ الفترة يناير- سبتمبر” بمعدل 45.1% لتسجل تدفقات قياسية بلغت نحو 30.2 مليار دولار، “مقابل نحو 20.8 مليار دولار خلال ذات الفترة من عام 2024”.
ويشير خبراء الاقتصاد، إلى أن هناك توقعات أن تصل هذه التحويلات إلى رقم قياسى غير مسبوق إلى نحو 40 مليار دولار فى نهاية العام.
وعلى المستوى الشهرى، ارتفعت تحويلات المصريين بالخارج خلال شهر سبتمبر 2025 بنسبة 30.9% لتسجل نحو 3.6 مليار دولار، مقابل نحو 2.7 مليار دولار خلال شهر سبتمبر 2024.
كما سجلت تحويلات المصريين بالخارج نموًا بنسبة 66.2% خلال السنة المالية 2024-2025 لتصل إلى 36.5 مليار دولار، مقابل نحو 21.9 مليار دولار خلال السنة المالية 2023-2024.
وكشف البنك المركزى، عن ارتفاع صافى احتياطى النقد الأجنبى فى مصر إلى 50.071 مليار دولار فى شهر أكتوبر الماضى من 49.534 مليار دولار فى سبتمبر الماضى.
الجنيه يواصل رحلة الصعود أمام الدولار
واصل الجنيه المصرى، أطول رحلة صعود مقابل الدولار الأمريكى، متجاوزًا أعلى مستوى منذ تعويم مارس من العام الماضى، ورغم توقعات صندوق النقد الدولى بارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه خلال العام الجارى ليصل إلى معدل 51 جنيهًا.
واصلت العملة المحلية صمودها أمام الدولار بفضل ارتفاع الاحتياطى النقدى وتحويلات المصريين بالخارج والسياحة والصادرات مع استقرار سعر الصرف، وكان أعلى سعر لصرف الدولار، وجرى تداول الدولار الأمريكى فى نوفمبر بالقرب من مستوى 47 جنيها عند 47.37 جنيه
تحسين بيئة الأعمال الصناعية
واصلت الحكومة تحسين بيئة الأعمال الصناعية وتنفيذ المزيد من الإصلاحات الهادفة إلى توطين الصناعة، فمساهمة الصناعة فى الناتج المحلى المصرى تشهد نموًا قويًا، خاصة قطاع الصناعات التحويلية غير البترولية، الذى كان المحرك الرئيسى للنمو فى الأرباع الأولى من العام المالى الجارى 2024/2025، إذ أسهم بنسب نمو مرتفعة.
والهدف الحكومى هو رفع مساهمة قطاع الصناعة بشكل عام إلى 20% من الناتج المحلى بحلول عام 2030، مقابل نسبة حالية تقارب 14% مع التركيز على الصناعات الخضراء لتشكل 5% من الناتج المحلى.
وتشير الأرقام، إلى أنه فى عام 2025، تجاوز عدد المصانع المصرية 68 ألفًا و825 مصنعًا لأول مرة فى تاريخ البلاد، وواصل القطاع الصناعى نموه مع استثمارات فى مجمعات صناعية جديدة وزيادة فى الصادرات، لا سيما فى قطاع الصناعات الهندسية، إذ تركز الحكومة جهودها على زيادة عدد المصانع من خلال إنشاء مصانع جديدة، وإعادة تأهيل المصانع المتعثرة، وتسهيل الإجراءات مثل إصدار التراخيص وتخصيص الأراضى الصناعية بهدف الوصول إلى 100 ألف مصنع بحلول عام 2030.
وانخفض عجز الميزان التجارى بنسبة 16% فى أول 10 أشهر من عام 2025، مع نمو صادرات مصر غير البترولية بنسبة 19% لتصل إلى 40.6 مليار دولار.
طفرة فى قطاع الطاقة
يشهد قطاع النفط والغاز فى مصر، مرحلة حيوية تتسم بتدفق استثمارات ضخمة من كبريات الشركات العالمية، فى مقدمتها شركة «إينى» الإيطالية التى أعلنت عن خطط لضخ استثمارات بقيمة 8 مليارات دولار فى مشروعات جديدة داخل البلاد.
وتفتح مصر أبوابها أمام استثمارات جديدة بمليارات الدولارات فى قطاع النفط والغاز، مدفوعة بحزمة من المشروعات القائمة والمخطط لها، وتشير البيانات إلى أن مصر تستهدف حفر 480 بئرًا خلال السنوات الخمس المقبلة، باستثمارات مقدرة بنحو 5.7 مليون دولار، ويبلغ الإنتاج الحالى من النفط 520 ألف برميل يوميًا مع خطة واضحة للوصول إلى 580 ألف برميل يوميًا بحلول يونيو 2027.
وارتفعت صادرات مصر غير البترولية 18.6% على أساس سنوى خلال الأشهر العشرة الأولى من العام الجارى، مسجلة 40.5 مليار دولارمتوقعًا نمو الصادرات المصرية غير البترولية إلى ما بين 48 و50 مليار دولار بنهاية 2025.
وتستهدف الحكومة، رفع إجمالى الصادرات السلعية إلى 145 مليار دولار بحلول 2030، معظمها من المنتجات الصناعية.
الصادرات الزراعية ترتفع
وخلال العام الحالى، ارتفعت الصادرات الزراعية المصرية إلى 8.8 مليون طن بزيادة تقارب 750 ألف طن عن نفس الفترة العام الماضى، بنسبة زيادة بلغت نحو 9.3%.
وشهد القطاع الزراعى المصرى، خلال الأعوام الأخيرة، تطورًا ملحوظًا، سواء على مستوى البنية التحتية أو طرق الزراعة الحديثة أو زيادة الرقعة الزراعية، كما أن وصول الصادرات الزراعية إلى 9 مليارات دولار فى 2024، يعتبر فى حد ذاته دليلًا واضحًا على نجاح خطط التوسع وزيادة الإنتاجية إلى حد يعكس تنوع المحاصيل المصرية من الموالح إلى الخضر والفاكهة، مما يساعد على احتياجات الأسواق العالمية بجودة عالية وأسعار تنافسية، وسط توقعات أن تصل الصادرات عام 2025، إلى نحو 11 مليار دولار.






