الأربعاء 18 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
وزير الأوقاف يكتب لـ«روزاليوسف»: رمضان شهر قبول الأعذار

وزير الأوقاف يكتب لـ«روزاليوسف»: رمضان شهر قبول الأعذار

رمضان شهر الفضل والكرم؛ وكل المعانى السامية السامقة؛ فأسأل الله جل جلاله أن يجعل أيامنا وأيامكم، وأعمارنا وأعماركم، عامرة بمعانى الصفاء والجمال والكرم والفضل. 



أستحضر دائمًا أبيات أمير الشعراء أحمد شوقى رحمه الله:

دقّاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ له إنَّ الحياةَ دقائقٌ وثوانِ

فارفعْ لنفسِكَ بعدَ موتِكَ ذِكرَها     فالذِّكرُ للإنسانِ عمرٌ ثانِ

فالحياة - كما يخبرنا الشاعر – ليست إلا دقائق وثواني، وأهل الكمال والجدّ، بل والأمم والشعوب، تتفاوت بقدر حرصها على الوقت، وعلى كل ثانية من ثوانى العمر, ومن هنا كان هدفنا أن تكون كل ثانية من ثوانى العمر لحظة رمضانية الروح.

رمضان شهر قبول الأعذار

قبول العذر... خُلُق رفيع؛ فمن أرفع أخلاق الإنسان، ومن أسمى صور الكرم والقوة النفسية، أن يكون قابلًا للعذر إذا اعتذر إليه غيره, فليس كل إنسان قادرًا على كظم الغيظ، ولا على نزع الغضب من قلبه، ولا على الصفح والمسامحة, قال الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾. فكظم الغيظ أولًا، ثم العفو ثانيًا، وهما من علامات السمو الأخلاقي. 

وكعادتنا، لا نربط رمضان بمعنى من وحى الخيال، بل نبحث عن أصله فى القرآن أو السنة. يقول الله تعالى فى آيات الصيام: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. فهنا يقبل الله سبحانه عذر المرض وعذر السفر، ويرفع الحرج، ويشرع البديل، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. وانظر معى قوله سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾. فإذا كان الله جل جلاله قد قبل أعذار عباده، وخفف عنهم، وشرع لهم البدائل، فإن رمضان يصبح مدرسة عملية تعلمنا قبول العذر فى حياتنا كلها. 

الكرم الحقيقى

الكرم ليس فقط كرم المال، فالإنسان مهما وسّع على الناس بماله لن يسعهم جميعًا، لكن النبى ﷺ قال: «إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق». ومن حسن الخلق: قبول العذر، والصفح، والتجاوز. 

موقف نبوى فى قبول العذر

ومن أعظم الشواهد النبوية على قبول العذر، ما حدث بعد فتح مكة، حين خشى الأنصار أن يقيم النبى ﷺ بمكة بعد أن فتحها الله عليه، فدار فى نفوسهم خاطرٌ بشري. فلما أخبره الله بما دار فى صدورهم، قال لهم ﷺ: «ألم تقولوا كذا وكذا؟» قالوا: بلى. فقال: «كلا، إنى عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، المحيا محياكم، والممات مماتكم». فبكوا وقالوا: والله ما قلنا الذى قلنا إلا الظن بالله ورسوله. فقال ﷺ: «إن الله ورسوله يصدّقانكم ويعذرانكم». هكذا كان قبول العذر خلقًا نبويًا أصيلًا.

الله يحب قبول العذر

قال النبى ﷺ: «ليس أحد أحبَّ إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب». فالله سبحانه: يقبل العذر، ويقيل العثرة، ويفتح أبواب التوبة، ويخفف التكاليف عند العجز. وإذا كان ربنا كذلك، فكيف لا يكون العبد متخلقًا بهذه الخلق؟ 

من أقوال السلف فى قبول العذر

قال الإمام ابن حبان فى روضة العقلاء: الاعتذار يذهب الهموم، ويجلو الأحزان، ويدفع الحقد. وقال الإمام الشافعى رحمه الله: اقبل معاذيرَ من يأتيك معتذرًا     إن برَّ عندك فيما قال أو فجرَا. أي: اقبل العذر، سواء علمت صدقه أو شككت فيه، فمجرد اعتذاره كسرٌ لنفسه، وهذا كافٍ. 

يوسف عليه السلام… ذروة الصفح

وأعظم مثال على قبول العذر، سيدنا يوسف عليه السلام، حين قال له إخوته بعد كل ما صنعوا: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾. فكان الرد: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾. لم يُعَنِّف، ولم يُذكِّر بالجراح، بل جعل لحظة الاعتذار لحظة صفا. ولهذا قال أهل الصلاح: ذكر الجفاء فى وقت الصفاء جفاء. 

الخلاصة أن رمضان شهر قبول الأعذار: قبول عذر من اعتذر... صفح بلا منّ، ومسامحة بلا تعالٍ، وسعة صدر ورحمة قلب. 

فاقبل العذر كما قبل الله عذرك، واعذر الناس كما يعذرك الله، واجعل من رمضان موسمًا لتطهير القلب من الغِلّ. اللهم اجعلنا أصفياء، ومع خلقك متصافين.