الثلاثاء 10 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

مصر.. صوت العقل فى منطقة مضطربة

تُعد السياسة الخارجية المصرية نموذجًا متفردًا فى إدارة الأزمات الإقليمية، حيث تستند إلى إرث تاريخى من الحكمة والاتزان، ففى ظل الأوضاع الإقليمية الجارية، واستهداف عدد من الدول العربية، تتبنى القاهرة استراتيجية «تغليب صوت العقل»، مؤكدة أن الحلول العسكرية لا تخلق استقراراً مستداماً، بل تعمق الفجوات وتستنزف المقدرات، إذ أكدت أن الحفاظ على كيان الدولة الوطنية هو الصخرة التى تتحطم عليها مخططات الفوضى، علاوة على رفضها القاطع المساس بوحدة وسلامة الأراضى العربية، ووضعت «الحوار» كبديل استراتيجى للحرب، معتبرة أن أمن المنطقة كلٌّ لا يتجزأ، كما أثبتت المواقف المصرية أن دورها ليس مجرد وسيط، بل هو صمام يمنع انزلاق المنطقة نحو مستنقع الحرب، فالحكمة المصرية لا تعنى المهادنة، بل هى القوة المتزنة التى تدرك أن الحفاظ على الأوطان ووحدتها هو الهدف الأسمى، مما جعلها الركيزة الأساسية لاستعادة التوازن فى الشرق الأوسط.



وجاءت سلسلة الاتصالات التى أجراها الرئيس عبد الفتاح السيسي، مع قادة الدول العربية لتؤكد أن الدعم المصرى لكل الأشقاء لم ولن يتوقف، ولم تكن الاتصالات مجرد تحرك بروتوكولي، بل تعبيرًا عن رؤية مصرية ثابتة ترتكز على مبدأين: حماية الأمن القومى العربي، وتغليب الحلول السياسية على منطق السلاح. 

كما كشف الرئيس، فى كلمته خلال حفل الإفطار السنوى للقوات المسلحة، الإطار العام للتحرك المصري، مؤكدًا أن الحروب – مهما كانت مبرراتها – تحمل تداعيات تتجاوز حدود أطرافها، وأن اتساع رقعة النار يهدد استقرار المنطقة بأسرها، حيث لم يكن حديثه موجهاً للخارج فقط، بل للداخل أيضًا، حين شدد على تماسك الجبهة الداخلية، وعلى جاهزية الدولة للتعامل مع مختلف السيناريوهات الاقتصادية والأمنية.

تضامن مصر مع الأشقاء العرب

من مسقط إلى بغداد، ومن الكويت إلى أبوظبى، مرورًا بالدوحة والرياض والمنامة وعمان، عكست الاتصالات الرئاسية خريطة تحرك مصرى متكاملة، ففى اتصاله مع السلطان هيثم بن طارق فى سلطنة عمان، أكدت القاهرة دعمها لمسارات الوساطة والحوار، وفى تواصل الرئيس مع قادة العراق والكويت والإمارات والأردن وقطر والسعودية والبحرين، شدد على رفضه المساس بسيادة أى دولة عربية، وعلى خطورة الانزلاق نحو فوضى إقليمية شاملة. هذه الاتصالات حملت ثلاث رسائل استراتيجية، أولها تضامن عربى واضح لا لبس فيه، ورفض قاطع لتوسيع دائرة المواجهة العسكرية، والدعوة إلى استعادة المسار السياسى والدبلوماسى فورًا.

التحرك المصرى هنا يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة التوازنات الإقليمية، خاصة مع حساسية الممرات البحرية الحيوية، وتأثير أى اضطراب على الطاقة والتجارة العالمية، وما يرتبط بذلك من انعكاسات مباشرة على قناة السويس والاقتصاد المصري.

قراءة أمنية

اللواء أحمد يحيى الجحش، عضو مجلس الشيوخ ووكيل لجنة الدفاع والأمن القومى السابق بمجلس النواب، يرى أن التحرك الرئاسى يعكس «عقيدة دولة»  وليس «رد فعل أزمة»، مؤكدًا أن مصر تنظر إلى الأمن القومى العربى باعتباره وحدة متكاملة، وأن أى استهداف لدولة عربية يمثل تهديدًا مباشرًا لمعادلة الاستقرار الإقليمي.

وأضاف، أن القيادة السياسية تتحرك وفق تقدير موقف شامل، يوازن بين الردع السياسى والدبلوماسى، وبين الحفاظ على الاستقرار الداخلي، موضحًا أن مصر تمتلك خبرة تاريخية فى إدارة الأزمات الإقليمية، ما يمنح تحركها مصداقية وثقلاً فى دوائر القرار العربى والدولي.

منظور برلمانى

من جانبه، أكد النائب سمير صبحى عبدالدايم، عضو مجلس الشيوخ وعضو اللجنة الخارجية، أن الاتصالات الرئاسية تعكس ثوابت السياسة الخارجية المصرية على مدار السنوات الماضية، والتى تقوم على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل فى شئونها، والسعى الدائم لتسوية النزاعات بالطرق السلمية، مشيرًا إلى أن مصر تتحرك اليوم باعتبارها صوت العقل فى المنطقة، خاصة فى ظل مخاطر توسع المواجهة العسكرية، وما قد يترتب عليها من تداعيات اقتصادية عالمية تضرب أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.

صوت المصريين فى الخارج

أما ربيع عزت منصور، رئيس الجالية المصرية فى الكونغو، فيرى أن التحرك المصرى يعزز صورة القاهرة كقوة توازن فى محيطها الإقليمي، ويؤكد أن الجاليات المصرية فى إفريقيا تتابع هذه التحركات بفخر، باعتبارها تعكس مكانة مصر ودورها التاريخى فى دعم الاستقرار، سواء عربيًا أو إفريقيًا، مشددًا على أن خطاب القيادة المصرية الداعى للحوار يلقى تقديرًا واسعًا فى الأوساط الدبلوماسية بالقارة.

بين الداخل والخارج

التحرك المصرى جاء فى لحظة دقيقة؛ فالداخل يحتاج إلى طمأنة فى ظل ضغوط اقتصادية عالمية متراكمة منذ جائحة كورونا مرورًا بالحرب الأوكرانية ثم التصعيد فى غزة، وصولًا إلى التوتر الراهن، لذلك جاء تشديد الرئيس السيسى على أن الاستقرار الداخلى هو حجر الزاوية فى أى تحرك خارجى ناجح، وأن وحدة الدولة والشعب تمثل الضمانة الأساسية لعبور الأزمات، فهذا الربط بين الجبهة الداخلية والدور الإقليمى يعكس إدراكًا بأن السياسة الخارجية تبدأ من الداخل.

وفى النهاية، كشفت التحركات المصرية، أن الدعم المصرى للأشقاء ليس تضامنا سياسيًا، بل محاولة مبكرة لمنع تشكل واقع إقليمى جديد يقوم على عسكرة الخلافات والقاهرة تتحرك لتثبيت معادلة واضحة: لا أمن لإقليم بلا احترام متبادل للسيادة، ولا استقرار بلا حلول سياسية.