إيران تواجه المعادلة الأصعب
أمانى عزام
تواجه إيران واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا فى تاريخها الحديث، فى ظل تصاعد الضربات العسكرية التى تستهدف منشآتها العسكرية والاقتصادية، ورغم وتزايد الضغوط الاقتصادية الناتجة عن العقوبات والحرب، إلى جانب تعقيدات داخلية تتعلق بتركيبة النظام السياسى وتوازناته، نجح مجلس الخبراء فى انتخاب «مجتبى خامنئي» مرشدًا أعلى جديدًا للبلاد خلفًا لوالده «على خامنئي»، الذى اغتيل بضربات أمريكية إسرائيلية 28 فبراير الماضى.
ويضع هذا المشهد المتشابك الدولة الإيرانية أمام اختبار حقيقى لقدرتها على الصمود، خاصة مع التحديات المرتبطة ببنية النظام، والانقسامات الاجتماعية والعرقية، وتراجع بعض قدراتها العسكرية، فضلًا عن الضغوط الاقتصادية المتزايدة.
ويرى عدد من الباحثين والخبراء، تحدثوا لجريدة «روزاليوسف»، أن ما يجرى اليوم لا يتعلق فقط بمواجهة عسكرية، بل هو صراع يستهدف القوة الشاملة للدولة الإيرانية، من خلال الضغط على مؤسساتها السياسية والعسكرية والاقتصادية، بما قد ينعكس على استقرارها الداخلى خلال المرحلة المقبلة.
إجهاد داخلى متعدد الأبعاد
اللواء محمد عبدالواحد، خبير الأمن القومى، يقول إن إيران تعيش فى الوقت الراهن حالة من الإجهاد الشديد لم تشهدها من قبل فى تاريخها الحديث منذ الثورة الإسلامية عام 1979 حتى الآن، موضحًا أن هذا الإجهاد متعدد الأبعاد ويشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية.
وحول الضربات الأخيرة التى امتدت إلى مصافى النفط والوقود، يرى أنها تعنى عمليًا الضغط على الإمدادات الداخلية للطاقة وتهديد وصول الوقود إلى مدن رئيسية مثل طهران، الأمر الذى يضاعف التحديات الاقتصادية والمعيشية داخل البلاد، موضحًا أن المجتمع الإيرانى يعانى حالة انقسام داخلى، ليس فقط على المستوى السياسى بل أيضًا على المستوى العرقى، ناهيك عن أن المستفيد الأكبر من الوضع الاقتصادى الحالى هم الحرس الثورى والنخب الأمنية والعسكرية المرتبطة بالنظام أو القريبة من مكتب المرشد، فى حين يعانى المواطنون من تراجع الأوضاع المعيشية.
الحرس الثورى.. عمود بقاء النظام
ورغم هذه الضغوط، يرى عبدالواحد أن سقوط النظام الإيرانى ليس أمرًا سهلًا، لأن إيران دولة ذات حضارة عريقة وشعبها يتمتع بقدر كبير من الاعتزاز الوطنى، ما يجعل انهيار الدولة أمرًا معقدًا، مشيرًا إلى أن مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الحرس الثورى وقوات الباسيج والأجهزة الأمنية، ما زالت تمتلك قدرة كبيرة على السيطرة على الأوضاع الداخلية وقمع الاحتجاجات، كما أن الحرس الثورى لا يمثل مجرد قوة عسكرية، بل يمتلك نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا واسعًا من خلال شبكات اقتصادية وتجارية وعمليات تبادل مع دول مثل الصين وروسيا وبعض دول الجوار.
إلى ذلك، يقول إسلام المنسى، الباحث المتخصص فى الشئون الإيرانية: إن الهجمات التى تتعرض لها إيران أدت إلى تدمير جزء كبير من القدرات العسكرية الإيرانية، حيث استهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومستودعات الأسلحة ومخازن الذخيرة، ما يمثل استنزاف جزء كبير من العتاد العسكرى الإيرانى، منوهًا إلى أن هذه الهجمات، حتى إذا لم تؤدِ بشكل مباشر إلى سقوط النظام، فإنها تؤدى إلى إضعاف القوة الشاملة للدولة الإيرانية، وهو ما قد ينعكس على شرعية النظام فى الداخل ويزيد من مشاعر السخط الشعبى ضده.
«خلل بنيوى داخل هيكل النظام»
بدوره يؤكد هانى سليمان، الباحث المتخصص فى الشأن الإيرانى، أن هناك خللًا بنيويًا يتعلق بعمل المؤسسات داخل النظام، خاصة مجلس خبراء القيادة، الذى أصبح – بحسب تقديره – أداة لترجمة موازين النفوذ داخل الدولة، فى ظل الضغوط التى كان يمارسها الحرس الثورى باتجاه توريث منصب المرشد واختيار مجتبى خامنئى، وهو ما يثير جدلًا حول توافق هذه الخطوة مع قواعد الدستور، خاصة ما يتعلق بالمادتين 109 و111.
ويشير إلى وجود تفريغ تدريجى للقيادات الكلاسيكية من الجيل الأول للثورة، الذين كانوا يتميزون بالحماسة الثورية ومركزية الأيديولوجيا، مقابل صعود قيادات جديدة قد تكون أكثر احترافية لكنها أقل خبرة فى إدارة الأزمات الكبرى، خاصة بعد اغتيال عدد من قيادات الصف الأول، لافتًا إلى تراجع التوازن بين التيارات السياسية داخل النظام، مع تزايد نفوذ التيار الأصولى المتشدد مقابل تراجع التيارات الإصلاحية التى كانت تمثل أحد عناصر التوازن فى المشهد السياسى الإيرانى.
«استهداف المصالح الأمريكية ـ الإسرائيلية»
سليمان يوضح أن إيران تعانى خللًا فى قدراتها الجوية مقارنة بالولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل المجال الجوى الإيرانى أكثر عرضة للاختراق والاستهداف، إلا أنها ما زالت تمتلك قدرة على استهداف المصالح الأمريكية والإسرائيلية، وهو ما يبقيها داخل معادلة الردع، خاصة مع امتلاكها قدرات صاروخية قادرة على إحداث أضرار وإرباك الخصوم.
وينوه إلى أن طهران تراهن على تداعيات الحرب على الاقتصاد العالمى، مثل ارتفاع أسعار النفط واضطراب حركة الملاحة والتجارة الدولية وتأثر سلاسل الإمداد والسلع الغذائية، باعتبارها عوامل قد تضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل لوقف التصعيد.
فى ضوء هذه المعطيات، تبدو إيران أمام معادلة معقدة بين الصمود والإنهاك، فبينما تتعرض الدولة لضغوط عسكرية واقتصادية متصاعدة، وتعانى من تحديات داخلية تتعلق ببنية النظام وتوازناته، فإنها فى المقابل ما زالت تمتلك أدوات قوة مهمة، أبرزها نفوذ الحرس الثورى وقدراتها الصاروخية وشبكاتها الإقليمية.










