الأربعاء 7 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

30 تابوتاً خشبياً ملوناً وفريداً فى «جنة العساسيف» بالأقصر

30 تابوتاً خشبياً ملوناً وفريداً فى «جنة العساسيف» بالأقصر
30 تابوتاً خشبياً ملوناً وفريداً فى «جنة العساسيف» بالأقصر





كتب ـ علاء الدين ظاهر

تمتلك مصر كنوزا أثرية لا حصر لها،  وهى قادرة على إبهار العالم كله بروعتها وتاريخها وقصصها،  وكل يوم تخرج أرض مصر كنوزا جديدة لتضيف إلى رصيد حضارتها المزيد من التميز والتفرد، وآخر تلك الكنوز 30 تابوتا أثريا غاية فى الروعة، تم العثور عليها فى منطقة جبانة العساسيف بالأقصر، وهو الكشف الذى أثار جدلا فى الوسط الأثرى، حيث شكك البعض فى أنه ليس كشفا جديدا بالمعنى المفهوم، ويرجع لعام 1967 حينما تم نقل آثار كثيرة من شرق الأقصر إلى الغرب لحمايتها أثناء ظروف الحرب التى كانت تمر بها مصر حينها.  

 

فرضية 1976

ورغم غرابة الفكرة إلا أنه كان لا بد من التحقق منها، وسألنا الدكتور محمد صالح وهو عالم آثار كبير وشغل سابقا منصب مدير المتحف المصرى بالتحرير، كما أنه عمل مفتش آثار القرنة بالأقصر من الستينيات إلى مطلع السبعينيات، وكف حقيقة ما إذا كانت هذه التوابيت من خبيئة 67 أم لا، وقال أنه عاصر فترة إعتداء الطيران الإسرائيلى على مطار الأقصر حينها، حيث كان مسئولا عن آثار القرنة حتى مايو 1970م، وحينها تم استخدام مقبرة 33 كمخزن للآثار حيث تم جمعها على سنوات طويلة، وقام هو بنفسه بتخزين بعض القطع الأثرية فى المقبرة 33 لأنها كانت واسعة وتستوعب توابيت كثيرة، نافيا فكرة دفن توابيت بأرض جبانة العساسيف، حيث لم يشاهد ذلك أو يعاينه ولا يوجد له داع فالمقبرة 33 وحدها كانت تستوعب أضعاف هذه الأعداد.
وقال أن كشف جبانة العساسيف من المحتمل أن يكون أعيد استخدام مقابر هذه التوابيت وتم استخراجها ووضعها بهذه الطريقة لإعادة استخدام المقابر فى العصر اليونانى رومانى،  مستبعدا أن تكون هذه التوابيت قد نقلت من البر الشرقى إلى البر الغربى وتم دفنها بهذه الطريقة مخافة عليها من الضرب الذى أصاب مطار الأقصر إبان حرب 67، لأنه لم يكن هناك داع لنقلها، خاصة أن مقبرة 33 تم إستخدامها كمخزن ضخم ظل يستخدم لسنوات طويلة قبل 67، فما الداعى لدفنها والمخزن موجود.

 

بأيدى المصريين

وأمس اضحت الحقيقة كاملة، حيث نظمت وزارة الآثار مؤتمرا وسط تغطية إعلامية عالمية، بحضور عالم الاثار الدكتور زاهى حواس و محافظ الاقصر  المستشار مصطفى ألهم، وأعلن فيه الدكتور خالد العنانى وزير الاثار رسميا نجاح البعثة الأثرية المصرية برئاسة الدكتور مصطفى وزيرى الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الكشف عن «خبيئة  العساسيف» والتى  تضم مجموعة متميزة من 30 تابوتا خشبيا آدميا ملونا لرجال وسيدات وأطفال، فى حالة  جيدة من الحفظ والألوان والنقوش كاملة، حيث تم الكشف عنهم بالوضع الذى تركهم عليه المصرى القديم،  توابيت مغلقة بداخلها المومياوات،  مجمعين فى خبيئة فى مستويين الواحد فوق الآخر،  ضم المستوى الأول 18 تابوتا والمستوى الثانى 12 تابوتا.
ووصفها وزير الآثار بأنها أول خبيئة توابيت آدمية كبيرة يتم اكتشافها كاملة منذ نهاية القرن ١٩،  واليوم،  وبعد أكثر من قرن من الزمان  يضيف الأثريون المصريون خبيئة أخرى جديدة بالأقصر، ومن أشهر الاكتشافات السابقة خبيئتان للمومياوات الملكية هما خبيئة الدير البحرى التى تمً الإعلان عنها عام 1881 وخبيئة أخرى عثر عليها داخل مقبرة الملك أمنحتب الثانى KV35 عام 1898 وخبيئة باب الجُسس عام 1891 حيث تم العثور على عشرات المومياوات لكهنة، كما شكر العنانى خلال المؤتمر الأثريين والمرممين والعمال الذين تعبوا و تحملوا الصعاب من أجل العمل الأثرى.
وأشار العنانى إلى أنه فخور بعمله مع رجال الآثار بالأقصر حيث أن هذه أول خبيئة تكتشف بأيدى أثريين مصريين، وأكد أن ما تناثر من أقوال البعض عن التشكيك فى هذا الكشف قبل الإعلان عنه أنه توابيت دفنت فى عام 67 هى أقوال أقل من أن يلتفت إليها،  وأنها لا تتعدى ان تكون ضمن الشائعات المغرضة التى ليس لها اى أساس من الصحة أو الدليل والهدف منها النيل لأى نجاح تحققه الوزارة ويلفت انتباه العالم إلى مصر وحضارتها.

 

كهنة وأطفال

أوضح د.وزيرى أن قصة كشف الخبيئة بدأت منذ حوالى شهرين حين بدأت أعمال الحفائر لهذا الموسم استكمالا لأعمال الموسم السابق الذى بدأ فى عام 2018  والتى أسفرت الكشف عن العديد من المقابر منها المدخل الأصلى لمقبرة TT 28 ومقبرتين لى «ثاو ار خت أف» و«ميرى رع» من عصر الرعامسة. أما هذا الموسم الذى بدأ منذ شهرين تم العمل على توسعه نطاق الحفائر لتشمل الجزء الشرقى من الفناء الذى تم العمل به الموسم السابق وأثناء سير العمل تم الكشف عن خبيئة «العساسيف» والتى تضم 30 تابوتا خشبيا لكهنة وكاهنات وأطفال من عصر الأسرة الثانية والعشرين من القرن العاشر قبل الميلاد منذ 3000 عام.
 تضم الخبيئة مجموعة من التوابيت لكهنة وكاهنات لمعبودات الأقصر للآلهة  آمون وخنسو حيث بلغ عددها حتى الآن ثلاثين تابوتا من بينها 3 توابيت لاطفال. تقع الخبيئة أعلى مقبرة TT28. وتتميز المجموعة المكتشفة من التوابيت فى توفير الدليل على المراحل المختلفة لطريقة صنع التوابيت فى تلك الفترة حيث منها ما هو مكتمل الزخارف والألوان ومنها ما هو فى المراحل الأولى للتصنيع ومنها ما انتهى تصنيعه ولكن لم يتم وضع المناظر عليه ومنها ماتم نحته وتزيين أجزاء منه وتركت الأجزاء الآخر فارغة بدون زخارف.
وتابع: تمثل المناظر المنقوشة على جوانب التوابيت موضوعات مختلفة تشمل تقديم القرابين ومناظر لآلهة مختلفة وكذلك مناظر من كتاب الموتى ومناظر لتقديم قرابين للملوك المؤلهين كالملك أمنحتب الأول الذى عبد فى منطقة الدير البحرى وكذلك عدد من النصوص التى بها ألقاب لأصحاب التوابيت كمغنية الإله آمون وكذلك نصوص لـspeeches لآلهة مختلف، وتأتى هذه الخبيئة كشاهد على فترة تاريخية لعدم الاستقرار انتشرت فيها سرقات المقابر وقل بناء المقابر الضخمة ولعب فيها التابوت دورا هاما كمقبرة للحافظ على الجسد حيث وضعت المناظر التى كانت توضع سابقا على حوائط المقابر لتجد مكانها على جنبات التابوت. وتابع: وتوضح تلك المناظر والنصوص الممثلة على جوانب التوابيت ارتباط تلك الخبيئة بالمنطقة حيث مثلت مناظر الالهة حتحور والملك امنحتب الأول واللذان انتشرت عبادتهما فى منطقة الدير البحرى والتى تعتبر جبانة العساسيف بلا شك جزءا منها، ويأتى اختيار المكان أيضا لأسباب عديدة منها قدسية المكان وأنه المكان الأمن فى جبانة طيبة فى وقت لم تسلم فيه حتى مقابر الملوك من السرقة، اما فيما يخص طريقه الدفن فى مجموعات فهى عادة معروفة سابقا حيث وجدت الخبيئة باب الجُسس لكنهه وكاهنات الآله آمون فى الأسرة الواحد والعشرين بالقرب من معبد الملكة حتشبسوت وان اختلفت فى عددها وجود توابيتها عن خبيئة العساسيف المكتشفة اليوم فكلاهما يؤرخان لفترات تاريخية انتشرت بها الدفنات الجماعية.

 

المقبرة المفقودة

وتعد منطقة العساسيف من المناطق الغنية بالآثار والكنوز التاريخية، والتى تم الإعلان عنها عبر سنوات ماضية، حيث شهد عام 2014 الإعلان عن اكتشاف بقايا جدران وأعمدة بمقبرة الوزير «أمنحتب حوى» وهى المقبرة رقم 28 بمنطقة العساسيف بالأقصر،  تحمل بعضها مناظر تجمع  كلاً من الملك أمنحتب الثالث وأمنحتب الرابع (إخناتون) فى آن واحد،  كما تُظهر كتابات تحمل اسم الملكين داخل خرطوشين بجوار بعضهما البعض، والكشف حققته البعثة المصرية الإسبانية العاملة بالموقع. وفى نفس العام 2014 تم الإعلان عن اعادة اكتشاف المقبرة المفقودة  TT 209 الواقعة بمنطقة العساسيف، حيث كان قد كشفها العالم الاثرى R.L Mond   عام 1904 م ،  ولم يعرف الاسم الأصلى لصاحبها،  كما لم يوضح تاريخ صاحب المقبرة ولم يصف تخطيطها المعمارى، حتى اختفت تحت الرمال وظل الأثريون يبحثون عنها دون جدوى حتى اعادت اكتشافها البعثة الاسبانية بالتعاون مع وزارة الآثار. كما نجحت البعثة الأثرية الإسبانية العاملة بمنطقة العساسيف بالتعاون مع وزارة الآثار أيضا فى الكشف عن تابوت لم يمس من قبل بداخله مومياء «مغنى آمون» فى مقبرة الوزير أمنحتب حوى رقم (28)، وذلك فى ديسمبر 2014.