الإثنين 21 سبتمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
احمد باشا

ريا وسكينة.. اعترافات راقصة على شواهد القبور

فى أحدث عروض «فرسان الشرق»

لا تزال قصص وحكايات الشقيقتين «ريا وسكينة» مثيرة لشغف وفضول المبدعين لإعادة تناولها  بأعمال درامية على اختلاف خلفياتها الفنية سواء كانت عمل تليفزيوني، أو سينمائى أو مسرحى أو رقص معاصر، قدمت مؤخرًا المخرجة والمصممة كريمة بدير «ريا وسكينة» فى قالب مسرحى راقص على خشبة الجمهورية مع فريق فرسان الشرق؛ المعروف أن «ريا وسكينة» شكلتا عصابة بمساعدة زوجيهما لقتل وخطف النساء وسرقة حليهن ودفنهن داخل المنازل التى ارتكبوا فيها هذه الجرائم قتلت تلك العصابة 17 سيدة بمساعدة «حسب الله» زوج «ريا» و»عبد العال» زوج سكينة وشخصين آخرين باسم «عرابي» و»عبد الرازق» ارتكبت هذه الجرائم فى حى اللبان بمدينة الإسكندرية فى الفترة من 1920 إلى 1921وتضاربت الرؤى والأقاويل حول قصصها المتنوعة وكذلك اختلفت الرؤى الفنية والكتابات التاريخية التى أرخت لهذا الموضوع وعلى رأسهم تناول الكاتب صلاح عيسى فى كتابه «حكايات من دفتر الوطن» والذى تناول فيه هذه القضية من خلال تناوله للبيئة المحيطة بالشقيقتين «ريا وسكينة» بمعنى تركيزه على الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى أدت بهما إلى ارتكاب هذه الجرائم البشعة.



«ريا وسكينة» فى الرقص المعاصر هنا تناولت المخرجة كريمة بدير فى أحدث عروضها «ريا وسكينة» الحكاية من وجهة نظر «بديعة» ابنة ريا الفتاة المغلوبة على أمرها والتى خرجت من قبرها بعد أن نبشه حفار القبور لتطل علينا وتروى شهادتها التى عاينت وشاهدت مقتل وسرقة هؤلاء النسوة فى الحكايات الأصلية تعتبر «بديعة» ابنة «ريا» أحد الشهود الذين أدلوا بشهاداتهم أمام النيابة ضد عائلتها بعد أن طلبت من المحكمة حمايتها من خالتها التى قد تهددها بسبب اعترافها بما رأته من حقائق؛ بينما فى الرؤية الدرامية التى تناولتها بدير أرادت استدعاء الحقيقة من شواهد القبور وكأن بديعة قتلت أيضًا وأصابها مثلما أصاب غيرها من النساء فهى الوحيدة التى التى وقع عليها عبء الصمت برغم ثورتها على ما يحدث داخل البيت واستحقت القتل عقابًا على كلامها وثورتها. الرغبة فى تحقيق الذات فى النسخة الراقصة لعرض «ريا وسكينة» رغبت كل منهن فى تحقيق ذاتها بالتسيد فى مجتمع سادت فيه الكراهية وقمع النساء وبالتالى رأت ريا ثم سكينة أنهما لن تستطيعا امتلاك من حولهما والسيطرة عليهم سوى بنشر الرعب وثقافة الموت والحصول على حقهما من هؤلاء بسرقتهن حيث رأت بدير تطور سلوك العنف والجريمة لدى كل من «ريا وسكينة» بدءًا من عملهما بالدعارة المقننة ووصولهما إلى ذروة الإجرام بقتل ودفن نساء بريئات ربما لم تبرر كريمة الجرائم البشعة للمرأتين بقدر ما أرادت استعراض منطقيهما فى الإقبال على تشكيل هذه العصابة وارتكاب جرائم بشعة ثم حالة الحكى والاعتراف من قبل بديعة ابنة ريا والتى اعتبرتها بدير الضحية الأولى فى هذا العمل فهى من ارتكب فيها فعل القتل حتى وهى على قيد الحياة، رؤية فنية مغايرة للشكل التقليدى الذى ربما مازالت تقدم عليه قصة «ريا وسكينة» ففى هذا العرض ركزت المخرجة على تقديم إطار الحالة التى جمعت «ريا وسكينة» وليس مجرد سرد حكايات وتفاصيل هذه القصة المعروفة مسبقًا والمقدمة بأكثر من شكل بالأعمال الدرامية؛ الحالة التى تقدم أسباب إقبال المجرم على جريمته ومنطقه الشخصى فى النزوع إلى الشر وارتكاب الجرائم حتى ولو كان هذا المنطق غير مقبول من قبل الدين والعرف والمجتمع لكنه فى النهاية منطق حياة اختارها صاحبها لترسيخ ثقافة الموت ودفن الحقائق عن عيون متتبعيها، فخرج العرض وكأنه يستدعى «ريا وسكينة» الحالة وليست القصة بتفاصيلها.

مسرحة الرقص قدم العرض فى قالب مسرحى راقص، وإن كان الوصف الأول أخل بالأخير الذى لم يكتف بأجساد راقصيه للتعبير وسرد ما أرادت طرحه علينا مخرجته بل أرادت التأكيد والمزيد من التأكيد بوضع مونولوجات طويلة على لسان أبطال «ريا وسكينة» و»بديعة» و»حفار القبور»؛ واجه الراقصون أزمة فى تقديم العمل على مستوى التمثيل مقارنة بالتعبير الجسدى ففى الرقص لم يخل أحدهم بعهده مع جمهوره بينما فى السرد والحكى وترديد جمل فضفاضة مطلقة لمجرد إقحام الشكل الدرامى الكلامى على العرض دون وضعه فى سياق فنى محكم أضر كثيرًا بجماليات العمل على مستوى الرقص، بسبب فصل الجمهور وانفصاله عن الاستمتاع بلحظات تعبيرية ربما أصدق وأعمق أثرًا من الكلمات بجانب أزمة توظيف الكلام بشكل جيد لعدم وضع الراقصين فى تدريب كاف على طريقة الإلقاء والتمثيل بحيث يخرج الكلام واضح ومعبر، وبالتالى لم يضف الكلام للعمل بل أنقص منه كثيرًا.

المزج بين الشرقى والمعاصر       بينما على الجانب الآخر ساهمت بعض التشكيلات واللوحات الراقصة فى التعويض بشكل كبير ورفع إيقاع العرض خاصة اللوحة التى مزجت فيها بدير بين الرقص الشرقى والمعاصر لوحة الزى الشعبى «الملايات» خرجت هذه اللوحة فى قالب بديع استعرضت فيها بدير مزيجًا وخليطًا فنيًا ممتعًا وجديدًا بين الرقص الشرقى الشعبى والغربى «المودرن» فخرجت بمفردات حركية مختلفة عن الشكل التقليدى الدائم الذى تقدم عليه عروض فرق التراث؛ وكذلك لوحة الصياد وبعض اللوحات الأخرى والصولوهات الراقصة الخاصة ببديعة وريا وسكينة، بينما لا يزال الفريق حائرا بين تقديم الشكل المعاصر المعتاد والتزامه بفلسفته التى أنشأ من أجلها ففى حين بذلت كريمة جهدا فى تقديم مزج حقيقى ومختلف بين الرقص التراثى والمعاصر إلا أنها فى بعض اللوحات ولوحة الإفتتاحية على وجه التحديد واستعراض نبش الموتى فى القبور بدت متأثرة وبشدة بمنطق الرقص المعاصر فلم تضع فيه لمحات شرقية برغم أن الموتى كانوا من نفس البيئة الحاضنة ل «ريا» و»سكينة» فلم تجمع الرقصات وحدة عضوية فى التصميم من بداية العرض وحتى نهايته التى جاءت شديدة التميز والابتكار بتراكم الجثث فوق بعضها البعض التى اعتلتها أجساد «ريا وسكينة» بعد خضوعهما لحكم الإعدام مشهد بديع لخصت فيه المخرجة خلاصة وذورة إحساسها بقضية العرض وبالتالى لم يكن من الضرورى استكمال العرض براو آخر بإضافة لوحة رقص جماعية جديدة. صمم الديكور والملابس أنيس إسماعيل والذى ساهم مع الإضاءة الخافتة فى المعايشة الشديدة للأجواء الكئيبة للعرض حيث تلاحم الاثنين معًا ووضعنا فى حالة الموتى والقبور المهجورة التى بحث فيها حفارها عن الحقيقة.