على السيد
سيناء بين صلاح الدين ومحمد على والسيسى
إذا كانت الجغرافيا التقليدية ظلت لآلاف السنين تذكرنا بأن سيناء «شبه جزيرة»، فإن التاريخ يلح علينا بأنها الأرض التى قاتلت لأجلها مصر منذ فجر التاريخ .. ومن بوابتها العالية صدرت السلام والتسامح والعلم والخير، واستقبلت الأنبياء والصحابة والصالحين .. ولأن سيناء «شبه الجزيرة» كانت مطمعا للغزاة والاستعماريين كان لابد أن تتغير الجغرافيا ، ففى مايو من عام ٢٠١٩ سجل التاريخ تغييرًا جذريًا لجغرافية سيناء، لتلتحم بالوادى.. لا بحر يفصلها، ولا قناة تعزلها، ولا جبال تخبئها . باتت سيناء مرتبطة بخمسة شرايين تجعل ما يجرى فى القلب من دماء يجرى فى سيناء. الجبال تلاحمت مع الوادى. البحران والنهر، ثلاثية الأضلاع المتكاملة. لا عائق مائى ولاساتر رملى.. كان محمد على أول من أدرك أن «شبه الجزيرة» تغرى الأعداء فأنشأ محافظة العريش عام ١٨١٠ ووضع تحت تصرف حاكمها قوة عسكرية تستطيع حماية الحدود، وقوة نظامية لحفظ النظام الداخلى، لكن هذا ظل غير كاف.. وكان الأيوبيون قبله فكروا فى شىء من هذا القبيل حيث اهتموا بتعمير سيناء ضمن استعداداتهم للحروب الصليبية، ومن ذلك قيام صلاح الدين الأيوبى بتعمير وإصلاح ميناء الطور عام ١١٨٤، وتجهيز المراكب و تشييد الميناء ، حتى بدأت تصله السفن المحملة بالبضائع من اليمن، وترسل منه الغلال إلى الحجاز، بعدها انطلق صلاح الدين الأيوبى فى التحكم الكامل بالبحر الأحمر خصوصًا بعد سيطرته على ميناء إيلات، فضلاً عن اهتمامه بالحصون والقلاع حتى لا يتكرر دخول سيناء من قبل الصليبيين كما حدث عام ١١٨١ من اقتحام لأراضيها، وتقطيع نخيلها لصناعة المراكب، لكن خطة «رينالد شاتيون» فشلت فى السيطرة على سيناء ومن ثم البحر الأحمر بجهود صلاح الدين.. وهكذا باتت سيناء «شبه الجزيرة» سجلاً للخالدين، وتاريخا كاشفاً عن قدرات الحكام على رؤية المخاطر القادمة للوطن، والتعامل معها.
سيناء، كما يقول جمال حمدان، هى أخطر مدخل لمصر، وطريق الحرب، جسر استراتيجى «عبرت عليه الجيوش منذ فجر التاريخ جيئة وذهابًا.. تحتمس الثالث وحده عبر ١٧ مرة». ويوضح الراحل الفذ جمال حمدان هذه النقطة بشىء من الدقة والإعجاز فى كتابه «سيناء فى الاستراتيجية والسياسة والجغرافيا»: «والواقع أنه إن تكن مصر ذات أطول تاريخ حضارى فى العالم، فإن لسيناء أطول سجل عسكرى معروف فى التاريخ».
كانت سيناء هى المبتدأ والخاتمة عند جمال عبدالناصر حتى قبل العدوان الثلاثى عام ١٩٥٦، والذى على اثره احتلت إسرائيل سيناء، لحمل عبدالناصر على التراجع عن قرار تأميم قناة السويس، مع فرنسا وبريطانيا. خرجت إسرائيل من سيناء بقرار من مجلس الأمن، لكنها ظلت تتحين اللحظة حتى عادت واحتلها فى عام ١٩٦٧. بات احتلال سيناء طعنة فى قلب الوطن، وموت مؤجل لعبد الناصر، الذى ظل يقاوم بحرب استنزاف مشهودة حتى موته المعلن فى عام ١٩٧٠.
و بـ«سيناء» نال السادات شرف النصر ومحو عار الهزيمة واسترداد الأرض، ومات فى ذكرى النصر.
كانت سيناء «شبه الجزيرة» طريقاً طويلا من الانتصارات والانكسارات والهزائم ، والأنبياء والحالمين والطامعين والهاربين والمأجورين والمدسوسين. كانت سيناء مقابر رحيمة لشهداء تألموا لتبقى، ومقابر مستعرة للغزاة.
كانت «شبه جزيرة» حتى جاء عبدالفتاح السيسى حاكمًا لمصر فالتأم الوادى، والتحمت الخريطة.. ففى دقائق ندخل سيناء آمنين، ونعود منها بفرح المنتصر.. الأنفاق التى افتتحت قبل نحو عام ليست مجرد طرق تسهل الحركة وتسهم فى التنمية، إنما هى إلغاء لحواجز الجغرافيا وموانع الطبيعة. إنها فك للشفرة وحل للغز القديم، فلم تعد سيناء بكل وديانها وجبالها منطقة نائية، أو خارج السيطرة، أو يسهل احتلالها كما فى العصور السابقة. أصبحت سيناء رسالة، بجغرافيتها الجديدة، للعالم كله أنها محصنة، وملتحمة بالوادى،ولم تعد كما كانت، ولن تعود لعزلة الجغرافيا وجراح التاريخ.
لن تكون إلا كما تراها فى خريطة مصر،كذراعين فى جسد واحد.. ذراعان يرتفعان إلى عنان السماء، أو كأصبعين فى كف جندى منتصر. ومثلما كانت تمد مصر كلها، فى زمن الفراعنة بما تحتاجه من المعادن، ومثلما اسمها مستمد من إله القمر، فستكون هى الضياء الذى يملأ الوطن بالخير.










