الإثنين 12 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
النباتات الطبية والعطرية.. الذهب الأخضر لمصر فى العقد القادم.. فرصة استراتيجية لتفوق مصرى فى سباق عالمى متصاعد

النباتات الطبية والعطرية.. الذهب الأخضر لمصر فى العقد القادم.. فرصة استراتيجية لتفوق مصرى فى سباق عالمى متصاعد

فى عالمٍ يتجه بقوة نحو الطبيعة، ويعيد الاعتبار للمنتجات الآمنة والصديقة للبيئة، تبرز النباتات الطبية والعطرية كأحد أهم محركات النمو الزراعى والصناعى والتصديرى، لم تعد هذه النباتات مجرد مكوّن ثانوى فى الزراعة الحديثة، بل تحولت إلى ركيزة أساسية فى الاقتصاد الأخضر، وعنصر فاعل فى الأمن الغذائى والدوائى عالميًا.



وبالنسبة لمصر، تمثل النباتات الطبية والعطرية ثروة قومية حقيقية و«ذهبًا أخضر» مرشحًا ليكون أحد أعمدة الاقتصاد الزراعى خلال العقد القادم، اعتمادًا على ميزة نسبية فريدة تجمع بين البيئة والمناخ، وتنوع الأصناف، والخبرة التاريخية، والسمعة العالمية المتراكمة.

مصر.. بيئة مثالية وسمعة عالمية

تمتلك مصر مقومات طبيعية استثنائية لزراعة النباتات الطبية والعطرية؛ فالتنوع المناخى بين الوجه القبلى والبحرى، وطول موسم السطوع الشمسى، وانخفاض الرطوبة فى كثير من مناطق الصعيد وسيناء، كلها عوامل تؤدى إلى ارتفاع تركيز المواد الفعالة والزيوت الطيّارة، وهو المعيار الأهم فى تحديد الجودة والقيمة التسويقية عالميًا.

ولهذا ارتبط اسم Herbs from Egypt فى الأسواق الدولية بالجودة العالية والنقاء، سواء فى صورة نباتات مجففة أو زيوت ومستخلصات، وهو رصيد معنوى واقتصادى يجب البناء عليه وتعظيمه.

واقع القطاع بالأرقام.. نمو يؤكد الإمكانات

شهد قطاع النباتات الطبية والعطرية فى مصر نموًا ملحوظًا خلال العام الحالى، حيث ارتفعت قيمة صادراته بنسبة تقارب 9% خلال أول 9 أشهر لتصل إلى نحو 170 مليون دولار، مقارنة بنحو 156.3 مليون دولار فى الفترة نفسها من العام السابق.

ولا تعكس هذه الزيادة مجرد تحسن ظرفى، بل تمثل مؤشرًا واضحًا على تزايد الطلب العالمى على المنتجات الطبيعية المصرية، وقدرة القطاع على استعادة زخمه والتوسع رغم التحديات الاقتصادية العالمية.

كما تشير بيانات التجارة الخارجية إلى تصدير نحو 66 ألف طن من النباتات الطبية والعطرية خلال الفترة من سبتمبر 2024، إلى يناير 2025، بقيمة تُقدّر بنحو 133 مليون دولار، وهو ما يؤكد أن هذا القطاع لم يعد نشاطًا هامشيًا، بل أصبح لاعبًا مهمًا فى خريطة الصادرات الزراعية المصرية.

خريطة الإنتاج: تنوع جغرافى يعزز الاستقرار

تُقدَّر المساحة المزروعة بالنباتات الطبية والعطرية فى مصر حاليًا بنحو 125–126 ألف فدان، بعد أن كانت تدور حول 80 ألف فدان فى تقارير سابقة، مع وجود خطط للتوسع التدريجى للوصول إلى نحو 250 ألف فدان بحلول عام 2030.

وتتوزع هذه المساحات على نطاق جغرافى واسع يعكس ثراء البيئة المصرية:

المنيا تتصدر المحافظات المنتجة بنسبة تقترب من 34% من إجمالى المساحة، خاصة فى البابونج، الشمر، واليانسون.

الفيوم وبنى سويف وأسيوط وسوهاج تشتهر بزراعة المردقوش، النعناع، الكراوية، والكزبرة.

الدلتا، ولا سيما شبرا بلولة بمحافظة الغربية، مركز إنتاج الياسمين والفل.

سيناء، بما تمتلكه من نباتات طبية برية ذات قيمة دوائية عالية.

هذا التنوع الجغرافى يمنح مصر استقرارًا إنتاجيًا ومرونة نادرة مقارنة بدول تعتمد على نطاق بيئى محدود.

أهم النباتات الطبية والعطرية: عمود الصادرات

تتركز الصادرات المصرية فى مجموعة من الأصناف التى أثبتت تنافسيتها عالميًا، أبرزها:

النعناع، البابونج، الريحان، المردقوش، الكركديه، الشمر، اليانسون، الكراوية، الكمون، الكزبرة، وحبة البركة.

وتُصدَّر هذه المحاصيل فى صور متعددة تشمل النباتات المجففة، والزيوت الطيّارة، والمستخلصات، لتدخل فى صناعات الغذاء الوظيفى، والمكملات الغذائية، والأدوية العشبية، ومستحضرات التجميل والعطور

الياسمين والفل: قيمة عالية من مساحة محدودة

تمثل شبرا بلولة نموذجًا اقتصاديًا بالغ الدلالة؛ إذ تُعد من أهم مناطق إنتاج الياسمين عالميًا. وتشير تقديرات مهنية إلى أن مصر تسهم بنحو من 40–50% من عجينة الياسمين المستخدمة عالميًا فى صناعة العطور الراقية.

ورغم محدودية المساحات المزروعة بالياسمين والفل، فإن العائد الاقتصادى للفدان من الأعلى فى قطاع النباتات العطرية، فضلًا عن كثافة العمالة فى عمليات الجمع اليدوى، ما يخلق فرص عمل مستقرة. وتكمن الفرصة الأكبر فى الانتقال من تصدير الخام إلى تعميق التصنيع المحلى وبناء شراكات مع بيوت العطور العالمية.

سيناء.. كنز دوائى غير مستغل بالكامل

تمثل سيناء مخزونًا طبيعيًا استراتيجيًا للنباتات الطبية البرية مثل الزعتر السيناوى، والميرمية، والشيح، والقيصوم، والعتر البرى. وتتميز هذه النباتات بارتفاع تركيز المواد الفعالة نتيجة الظروف البيئية القاسية.

ويمثل تنظيم هذا المورد فرصة مزدوجة لدعم الاقتصاد الوطنى وتحقيق تنمية حقيقية لأبناء سيناء، مع الحفاظ على التنوع الحيوى والاستغلال المستدام.

لماذا زادت الصادرات هذا العام؟

جاء النمو الأخير نتيجة تضافر عدة عوامل، فى مقدمتها التوسع النسبى فى المساحات المزروعة، وعودة الاهتمام الرسمى بتنظيم القطاع، إلى جانب الطلب العالمى المتزايد على المنتجات الطبيعية والزيوت العطرية.

كما أسهمت تحسينات سلاسل الإمداد والتجميع، وزيادة وحدات التجفيف والتعبئة، واتجاه بعض الشركات إلى تصدير منتجات نصف مصنّعة أو مصنّعة، فى رفع القيمة الإجمالية للصادرات، مع دور ملموس للمجالس التصديرية وغرف الصناعة فى فتح أسواق جديدة.

مقارنة عالمية: مصر والهند والمغرب

تُعد الهند من أكبر المنتجين عالميًا بفضل المساحات الشاسعة، لكنها تعانى تفاوت الجودة وارتفاع الرطوبة فى مناطق كثيرة، ما يؤثر على تركيز الزيوت الطيّارة.

أما المغرب فقد نجح فى بناء سمعة قوية فى الأسواق الأوروبية، لكنه يواجه قيودًا تتعلق بضيق المساحة والتنوع البيئى.

فى المقابل، تتفوق مصر فى جودة المواد الفعالة، وتنوع البيئات الزراعية، والقرب الجغرافى من أوروبا، وتوافر محاصيل عالية القيمة مثل الياسمين، وهو ما يمنحها قدرة حقيقية على التفوق إذا ما عولجت الفجوات التنظيمية والتصنيعية.

التحديات والطريق إلى الذهب الأخضر

رغم المؤشرات الإيجابية، لا يزال القطاع يواجه تحديات أبرزها تفاوت الجودة، ومحدودية انتشار الشهادات الدولية، وتصدير نسبة كبيرة من الإنتاج خامًا، ويكمن الحل فى تعظيم القيمة المضافة، وتنظيم سلاسل الإمداد، ودعم البحث العلمى، وتمكين صغار المزارعين.

ختاما

إن الأرقام المحققة ليست مجرد نجاح مرحلى، بل رسالة واضحة بأن النباتات الطبية والعطرية قادرة على أن تكون أحد أعمدة الاقتصاد الزراعى المصرى، ومع استمرار دعم الدولة، وحسن التخطيط، وتعظيم القيمة المضافة، يمكن لهذا «الذهب الأخضر» أن يضاعف عوائده، ويمنح مصر موقعًا متقدمًا فى خريطة التجارة العالمية، جامعًا بين العائد الاقتصادى، والتنمية الاجتماعية، والاستدامة البيئية.