د.إبراهيم درويش
الفلاح المصرى.. عصب التنمية.. من عرق الأرض إلى بناء الجمهورية الجديدة
ليس الفلاح المصرى مجرد مهنةٍ تُمارَس، ولا وظيفةٍ تُؤدَّى، بل هو قيمة وطنية متجذِّرة فى عمق التاريخ، ورمز أصيل للثبات والعطاء والصبر. هو الذى حمل الوطن على كتفيه قرونًا طويلة، وزرع الأرض فأنبتت خيرًا، وغرس القيم فأنبتت حضارة.
ورغم ما تبذله الدولة المصرية اليوم من جهود كبيرة لدعم الفلاح ورعايته، فإن التحدى الحقيقى لم يعد فى حجم الدعم وحده، بل فى تعظيم أثره، عبر الانتقال الواعى من مفهوم الفلاح بوصفه منفذًا للسياسات، إلى اعتباره شريكًا أصيلًا فى التنمية الزراعية الشاملة.
من هو الفلاح؟ ولماذا يجب أن نعيد تعريف الكلمة؟
كلمة الفلاح فى الوعى الجمعى ليست توصيفًا اجتماعيًا عابرًا، بل هى هوية متكاملة الأبعاد:
فهو عصب التنمية الزراعية لفظًا ومعنى، وقيمة إنتاجية واقتصادية حقيقية، ومسئولية وطنية، وشراكة تنموية فاعلة.
الفلاح هو.. التاريخ والحضارة، والرجولة والوطنية، والعرق والكبرياء، ورمز الأرض وحارسها الأول.
ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة تقديم صورة الفلاح للمجتمع؛ انتقالًا به من إنسانٍ غُيِّبت مكانته فى بعض الخطابات العامة، إلى ركيزة أساسية فى معادلة الأمن الغذائى والسيادة الوطنية.
الفلاح المصرى عبر التاريخ.. شاهد حضارة وصانع مجد
منذ فجر التاريخ، كان الفلاح المصرى حجر الأساس فى بناء الدولة: لقد علَّم البشرية فنون الزراعة والرى.. وصنع الاستقرار حول ضفاف النيل.. وأسهم بجهده ووعيه فى تشييد واحدة من أعرق الحضارات الإنسانية.
لم تكن الحضارة المصرية لتقوم لولا انتظام الفلاح مع فيضان النيل، ولا لولا احترامه العميق للأرض، وإيمانه الراسخ بأن الزرع عبادة، والعمل رسالة، والإنتاج أمانة.
آلام الفلاح.. بين التحديات وتغيّر الواقع
رغم هذه المكانة التاريخية، يواجه الفلاح المصرى اليوم تحديات متراكمة، من أبرزها:
الارتفاع المتزايد فى تكاليف مستلزمات الإنتاج.. وتقلبات المناخ وتأثيرها المباشر على المحاصيل، وضعف منظومة التسويق الزراعى، وغياب التنظيم المؤسسى القوى القادر على التعبير عن مصالحه، ومحدودية الوصول المنتظم إلى التدريب والتكنولوجيا الحديثة.
ولا يمكن، فى هذا السياق، إغفال الألم النفسى والمعنوى الذى يشعر به الفلاح حين لا يُقابَل جهده بالتقدير اللائق، أو حين يجد صوته غائبًا عن دوائر التأثير وصناعة القرار.
جهود الدولة.. دعم حقيقى يحتاج إلى تعظيم الأثر
لا يمكن إنكار ما تبذله الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة من جهود واضحة وملموسة، من خلال: دعم المحاصيل الاستراتيجية، والتوسع فى مشروعات الرى الحديث، وإطلاق مبادرات الإرشاد الزراعى، وتنفيذ مشروعات التأمين الصحى والاجتماعى للفلاح التى نأمل أن تظهر آثاره مع التأمين الصحى الشامل، والاهتمام المتزايد بالزراعة التعاقدية.
غير أن المرحلة المقبلة تتطلب نقلة نوعية مدروسة: بحيث تتحول من الرعاية إلى الشراكة، ومن الدعم إلى التمكين المستدام.
الفلاح شريك التنمية الحقيقية
إن التنمية الزراعية الحقيقية لا يمكن أن تنجح إلا حين يكون الفلاح: مشاركًا فى صنع القرار، واعيًا بالأهداف القومية للدولة، مقتنعًا بالإجراءات التنموية لا مجرد ملتزمٍ بتطبيقها.
ويتحقق ذلك عبر: إشراك ممثلى الفلاحين فى صياغة السياسات الزراعية.. وبناء قنوات حوار مؤسسية دائمة بين الدولة والفلاح، ووجود صوت منظم، واعٍ، ومسؤول، يتحدث باسمه ويعبّر عن آماله واحتياجاته.
الجمعيات التعاونية.. ضرورة لا رفاهية
تمثل الجمعيات التعاونية ركيزة أساسية يجب أن تستعيد دورها الحقيقى فى دعم الفلاح، وذلك من خلال: توفير مستلزمات الإنتاج بجودة مناسبة وسعر عادل، وتنظيم عمليات التسويق الجماعى للمحاصيل، وتقديم خدمات إرشادية وتمويلية فعّالة، وحماية الفلاح من صور الاستغلال المختلفة.
نحن بحاجة إلى جمعيات تليق بالفلاح المصرى، تسانده ولا تُثقِل كاهله، وتُدار بكفاءة وشفافية، وتعمل بروح الشراكة لا الوصاية.
الرى الحديث.. وكرامة الفلاح
كما نُطوِّر وسائل الرى لترشيد المياه وتعظيم كفاءة استخدامها، يجب أن نُطوِّر فى الوقت ذاته:
أساليب التعامل مع الفلاح، ولغة الخطاب الموجَّه إليه.. وآليات التدريب والتأهيل التى يتلقاها.
فالفلاح يحتاج إلى من يروى عزّة نفسه وكبريائه بالاحترام والتقدير، وبنفس الحداثة التى نروى بها أرضه، وبنفس التقدير الذى يحظى به سائر الحِرَف والمِهَن.
آمال الفلاح
فى ظل الجمهورية الجديدة، يتطلع الفلاح المصرى إلى: تعليم وتدريب زراعى عصري، وإرشاد مبنى على العلم والتجربة، وتوفير مستلزمات إنتاج مضمونة وعادلة السعر، وتسويق منصف يضمن له هامش ربح كريم، وحياة كريمة تليق بدوره الوطنى ومكانته المجتمعية.
الفلاح لا يطلب من الدولة صدقة، بل فرصة عادلة ليُنتج، ويُبدع، ويواصل العطاء.
توصيات عملية لمستقبل زراعى أقوى:
-1 بناء كيان تمثيلى منظم للفلاحين يعبر عنهم بصدق.
-2 تطوير منظومة الإرشاد الزراعى وربطها بالتكنولوجيا الحديثة.
-3 التوسع فى تطبيق الزراعة التعاقدية على نطاق أوسع.
-4 إعادة هيكلة الجمعيات التعاونية بما يضمن كفاءتها وشفافيتها.
-5 دعم التصنيع الزراعى الريفى لزيادة القيمة المضافة.
-6 الاهتمام بالشباب الريفى وتحفيزه على الاستمرار فى العمل الزراعي.
-7 تحسين منظومة التسويق وسلاسل القيمة الزراعية.
ختاما:
الفلاح المصري، إذا شعر بالتقدير، ضاعف العطاء، وإذا مُكِّن بوعي، صنع المعجزة، وإذا أُشرك بصدق، حمل الوطن إلى آفاق أرحب من الأمن الغذائى والاستقرار المجتمعي.
إن الاستثمار الحقيقى لا يكون فى الأرض وحدها، بل فى إنسان الأرض..الفلاح المصرى: شريك التنمية، وجذر الحضارة، وأمل المستقبل.






