السبت 10 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

مصر التى فى خاطرى «البيان الأول» لثورة يوليو بصوت «الست»

شاءت الأقدار أن تشرق شمس «كوكب الشرق» أم كلثوم فى النصف الأول من القرن العشرين، وفى النصف الثانى تعالت الأصوات الثورية لتنتفض مصر معلنة عن ثورتها ضد الحكم الملكى لتعلن أم كلثوم عن انضمامها لقوافل الثورة التى باركها الشعب، وفى زمن التحديات والحروب ومع تصاعد التوترات السياسية فى المنطقة العربية عاشت مصر ظروفا اقتصادية صعبة فقدمت أغنيات ببصمة وطنية خالصة أظهر توافقها التام مع النظام الوطنى الجديد وكان اتصالها بالزعيم جمال عبدالناصر والذى دعم فنها ورأى فى صوتها وسيلة لتقوية وتعزيز الشعور الوطنى خلال فترة التحولات السياسية التى تمر بها مصر، دعما للاستقلال ومؤازرة لتأميم قناة السويس وتجلى صوتها مساهمة فى تعبئة الرأى العام.



غنت أم كلثوم بعد إعلان ثورة 1952 قصيدة «مصر التى فى خاطرى» والتى اعتبرها المؤرخون البيان الفنى الأول للثورة، والتى ارتفع بها من مصاف المطربات صوت أمة، ففى هذه القصيدة لم تنافق أم كلثوم السلطة ولكنها غنت دعما لمشروع بناء أمة، فكانت علاقتها بقيادة الثورة علاقة احترام وتعاون.

وكان عام 1956 من أهم السنوات التى قدمت فيها كوكب الشرق قصائدها الوطنية فخلال العدوان الثلاثى على مصر قدمت أغنية «والله زمان يا سلاحى» التى كتبها صلاح جاهين ولحنها كمال الطويل والتى كانت بيانا آخر لتعبئة عامة واستنفار لروح شعب وبعد نكسة 1967 والتى كانت ضربة قوية للشعب المصرى والعربى أسهمت أم كلثوم فى جهود دعم الجيش المصرى، والمجهود الحربي، فنظمت حفلات داخل مصر وخارجها لجمع التبرعات، لإعادة تنظيم الجيش المصرى.

لم تتوان أم كلثوم عن أداء دورها الوطنى، ففنها لم ينفصل يوما عن نبض جماهير الوطن العربى بل كانت معبرة عن طموحاته وآماله، عن لحظات الانكسار وعن لحظات الأمل، فكان إيمانها الذى لم يتغير بأن الكلمة الصادقة تساوى طلقة رصاص فى المعركة.

فى نوفمبر 1967 أقامت أم كلثوم حفلها على مسرح الأوليمبيا الشهير فى باريس، فى ليلة فنية عربية وتظاهرة وطنية لافتة والتى لاقت اهتماما واسعا من الجاليات العربية فى أوروبا وكانت حصيلة الحفل 50٫000 فرنك فرنسى - وهو مبلغ هائل فى ذلك الوقت - وتحويله إلى مصر لدعم المجهود الحربى.

كانت زيارة أم كلثوم لفرنسا حيث وقفت على أهم مسارح عاصمتها حدثا فنيا كبيرا فقد غنت لجمهور لا يتحدث لغتها لكنه فهم عمق رسالتها، وبجانب جماهير أوروبا كان الجمهور العربى هناك فى اصطفاف لاستقبال «صوت مصر» وكان الاحتفاء بها هائلا، وكان اندفاع الجماهير كبيرا وحادثة انحناء أم كلثوم على الشاب الذى حاول تقبيل قدميها - لم يكن سقوطًا كما روج له البعض - فقد وقفت سيدة الغناء العربى بكل شموخ لتغنى أمام الجماهير العريضة لتؤدى دورها الفنى والوطنى فكانت مثالا ورمزًا لنهوض أمة فى وجه عدوان.

بعد رحلتها لباريس توجهت أم كلثوم إلى ليبيا وتونس والمغرب وكان معها دائما انتماء المصريين وآمالهم فى حياة حرة، وفى الكويت أحيت عدة حفلات وطنية، كانت حصيلتها بالكامل لدعم المعركة.

وفى الداخل وفى قلب مصر لم تهدأ أم كلثوم ولم تتوقف عن إحياء الحفلات التى خصص دخلها لصالح المجهود الحربى، فكانت رحلاتها المكوكية بين القاهرة والإسكندرية ومدن القناة بمثابة الأمل فى قلوب المصريين.

 

شاب عربى يقبل قدميها فى فرنسا
شاب عربى يقبل قدميها فى فرنسا

 

فى سبتمبر 1970 سافرت أم كلثوم إلى الاتحاد السوفيتى فى زيارة بطابع وطنى بالغ الأهمية، كانت الرحلة تهدف إلى إحياء أربع حفلات يعود حصيلتها إلى مصر دعما للجيش، وكانت الزيارة فى ظل علامة استراتيجية قوية بين مصر والاتحاد السوفيتي، وشهدت أم كلثوم استقبالا حافلا من كبار المسئولين هناك واستقبالا رسميا من السفارة المصرية، ووفود من الجاليات العربية والجالية المصرية، وتم حجز القاعات وتوفرت الدعاية الإعلامية تحت رعاية السفير المصرى وكانت الآمال كبيرة بوصفها امتدادًا لدورها الوطنى، ولم تكن هذه الرحلة منعزلة عن طريق أم كلثوم القومى فمنذ نكسة 1967 كرست حياتها لمساندة الجيش والدولة المصرية فى أشد أوقات الأمة.

لم تساند أم كلثوم الوطن بالصوت فقط بل كانت حفلاتها الخارجية تذهب مباشرة لخزينة الدولة وجمع ما تجاوز ثلاثة ملايين جنيه والكثير من الذهب والمجوهرات قدمها محبو فنها.. ولم تحتفظ بشىء منها فى مثال نادر يجمع بين الفن والوطنية الخالصة.

ولأن كل الأمانى لا تتحقق فكما بدأت رحلة الاتحاد السوفيتى بالأمل والتفاؤل، انتهت بصدمة عميقة، لقد جاء نبأ وفاة الزعيم جمال عبدالناصر أثناء الزيارة فساد الصمت، وانهارت أم كلثوم باكية بشكل هستيرى - كما حدث مع معظم المصريين فى مواجهة هذا النبأ الحزين - كان أثر الرحيل بالغًا فألغت أم كلثوم باقى حفلاتها، وأقامت مع أعضاء السفارة وأفراد الجالية صلاة الغائب فى مسجد موسكو.

كانت وفاة عبدالناصر إعادة تشكيل وجدانى لأم كلثوم فكان الانكسار الشخصى لديها قويا فقد ارتبطت معه بعلاقة صداقة واحترام متبادل وكانت تراه رمزًا للوطنية.

منحها قلادة الجمهورية وكان يستمع لأغانيها ويشيد بدورها الوطنى فتجاوز ارتباطها به حدود السياسة إلى رابطة روحية.

واصلت أم كلثوم مسيرتها الفنية بعد وفاة الزعيم إلا أن المتابعين لها لاحظوا أن صوتها بدأ منذ هذه اللحظة يحمل شجنًا مختلفا وعمقًا جديدًا بعد غياب رمز الأمة الذى تشكل وجدانها بعد الاستقلال وكان لها دور ورسالة فى التعبير عن ذلك ليس بالغناء فقط، بل بالرسالة والموقف الوطنى.