الخميس 15 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
السد العالى.. حين قررت مصر أن تتحكم فى النيل

السد العالى.. حين قررت مصر أن تتحكم فى النيل

قبل أكثر من ستة عقود، لم تكن مصر على موعد مع مشروع هندسى عادى، بل مع قرار مصيرى سيعيد صياغة علاقتها بنهر النيل، شريان الحياة منذ فجر التاريخ. لم يكن السد العالى مجرد كتلة هائلة من الخرسانة تعترض مجرى النهر، وإنما كان تعبيرًا صادقًا عن حلم أمة أرادت أن تتحرر من الخوف المزمن من الفيضان والجفاف، وأن تضع مستقبلها المائى والغذائى بيدها لا بيد الطبيعة المتقلبة.



فى عام 1960، وضعت الدولة المصرية - بقيادة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر - حجر الأساس لمشروع سيُسجَّل لاحقًا كأعظم إنجاز تنموى فى تاريخ مصر الحديث. مشروع لم يكن هدفه فقط تخزين المياه، بل بناء دولة حديثة، مستقلة القرار، قادرة على التخطيط طويل الأمد، وحماية شعبها من تقلبات الطبيعة ومخاطر السياسة.

أولًا: السد العالى... عبقرية هندسية على ضفاف النيل

يقع السد العالى جنوب مدينة أسوان، ويُعد واحدًا من أكبر السدود فى العالم من حيث الحجم والأثر. فقد صُمم وفق معايير هندسية شديدة الدقة، ليصمد أمام ضغوط مائية هائلة عبر عقود طويلة. ونجد أن الطول: نحو 3830 مترًا... والارتفاع: 111 مترًا

والعرض عند القمة: قرابة 40 مترًا

أما الهيكل: فهو سد ترابى ضخم بقلب خرسانى مصمم لتحمُّل أقصى الضغوط خلف هذا الجدار العملاق تمتد بحيرة ناصر، أكبر خزان مائى صناعى فى العالم، بطول يقارب 550 كيلومترًا، وسعة تخزينية تصل إلى نحو 169 مليار متر مكعب من المياه. هذه البحيرة ليست مجرد مخزون، بل تمثل العقل المنظِّم لإدارة مياه النيل على مدار العام.

ثانيًا: السد العالى بين السياسة والهندسة

لم يكن الطريق إلى بناء السد العالى مفروشًا بالسهولة. فإلى جانب التحديات الفنية، واجه المشروع ضغوطًا سياسية هائلة فى ظل أجواء الحرب الباردة. وبعد انسحاب البنك الدولى من تمويل المشروع، اتخذت مصر قرارًا جريئًا بالتعاون مع الاتحاد السوفيتى.

لم يكن هذا القرار تقنيًا فحسب، بل كان إعلانًا صريحًا عن الاستقلال السياسى والاقتصادى، ورسالة واضحة بأن مصر قادرة على اتخاذ قراراتها السيادية بعيدًا عن الإملاءات الخارجية. وهكذا أصبح السد العالى رمزًا للسيادة الوطنية، لا مجرد مشروع هندسى.

ثالثًا: من فيضانات عشوائية إلى إدارة ذكية للمياه

قبل السد العالى، كانت الزراعة المصرية رهينة فيضان النيل. فيضان قد يكون مدمرًا فيغرق الحقول، أو شحيحًا فيقود إلى سنوات قحط ومجاعة. لم يكن هناك استقرار، ولا قدرة حقيقية على التخطيط.

مع بناء السد، تغيّر كل شيء. لأول مرة فى تاريخ مصر، أصبح بالإمكان تخزين مياه سنوات الوفرة لاستخدامها فى سنوات الجفاف، وتحويل الرى من نظام موسمى محدود إلى رى دائم ومنتظم.

وبفضل ذلك: استقرت الزراعة طوال العام... وأمكن زراعة أكثر من محصول فى الأرض نفسها كما تعزّز الأمن الغذائى بشكل ملحوظ اليوم، يغطى الرى الدائم معظم الوادى والدلتا، مع نسب مرتفعة لإعادة استخدام المياه، وهو ما يعكس كفاءة عالية فى إدارة المورد المائى.

رابعًا: الكهرباء... النور الذى أضاء طريق التنمية لم تتوقف فوائد السد العالى عند المياه فقط، بل امتدت إلى توليد الكهرباء النظيفة. فقد أُنشئت محطة كهرومائية تضم 12 توربينة، بقدرة إجمالية تصل إلى 2100 ميجاواط.

عند بدء التشغيل فى السبعينيات، كان السد يوفر قرابة نصف احتياجات مصر من الكهرباء، وهو ما أحدث نقلة هائلة فى حياة المصريين، حيث وصلت الكهرباء إلى القرى والنجوع، ودُعمت الصناعة الوطنية، وتراجع الاعتماد على الوقود الأحفورى.

ورغم تراجع نسبته من إجمالى الإنتاج مع توسع الدولة فى مصادر الطاقة، فإنه لا يزال ركيزة مهمة فى منظومة الطاقة النظيفة.

خامسًا: بحيرة ناصر... كنز متعدد الأبعاد

بحيرة ناصر ليست مجرد خزان مائى، بل ثروة متكاملة: فهى مصدر مهم للثروة السمكية ومخزون استراتيجى لمواجهة سنوات الجفاف وتعتبر مجالا واعدا للسياحة البيئية حيث إنها القلب النابض لمنظومة السد العالى، والضامن الحقيقى لاستقرار المياه فى مصر.

سادسًا: ماذا لو لم يُبنَ السد العالي؟

الإجابة جاءت واضحة خلال موجات الجفاف التى ضربت إفريقيا فى الثمانينيات. حينها، استطاعت مصر تجاوز الأزمة بفضل المخزون الاستراتيجى فى بحيرة ناصر. بدون السد، كان المشهد سيختلف تمامًا: نقص حاد فى المياه، تراجع زراعى، واضطرابات اقتصادية واجتماعية واسعة.

سابعًا: بين عمالقة السدود عالميًا

قد تقارن الأرقام بين السد العالى وسدود عملاقة مثل «الممرات الثلاثة» فى الصين أو «إيتايبو» فى البرازيل، لكن القيمة الحقيقية للسد المصرى لا تُقاس بالأرقام فقط، بل بدوره فى حماية دولة نامية وتأمين مستقبلها.

ثامنًا: السد العالى فى زمن التغير المناخي

مع تصاعد آثار التغير المناخى، وتذبذب إيراد النيل، وأزمة سد النهضة، تتجدد أهمية السد العالى كصمام أمان استراتيجى، قادر على امتصاص الصدمات المائية والحفاظ على استقرار الدولة.

تاسعًا: مفيض توشكى... خط الدفاع الثانى

مفيض توشكى هو أحد أهم عناصر الأمان المرتبطة بالسد. فعند ارتفاع منسوب بحيرة ناصر إلى مستويات حرجة، يسمح المفيض بتصريف المياه الزائدة إلى منخفضات طبيعية، حمايةً لجسم السد من الضغوط الهائلة.

وقد استُخدم هذا المفيض فى محطات تاريخية، أبرزها عام 1996، ثم مرة أخرى فى 2025، حين ارتفع منسوب المياه إلى نحو 182 مترًا فوق سطح البحر.

عاشرًا: العائد الاقتصادى والاجتماعى

حقق السد العالى عوائد هائلة، شملت: التوسع فى الرقعة الزراعية ودعم الاكتفاء الذاتى الغذائى كما خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة. بالإضافة إلى تعزيز العدالة التنموية بين الأقاليم ورغم بعض الآثار البيئية، فإن الكفة تميل بوضوح لصالح الفوائد الاستراتيجية.

حادى عشر: كيف نعظّم الاستفادة من السد؟

المستقبل يتطلب إدارة أكثر ذكاءً للسد وبحيرة ناصر، عبر:.. تحديث التوربينات...وتطوير نظم التنبؤ المائى. ومن المهم تنظيم الاستزراع السمكى. بالتوازن مع التوسع فى تقنيات الرى الحديث والعمل على التنمية السياحة البيئية حول بحيرة ناصر.

ختاما: أكثر من سد... إنه قصة وطن

السد العالى ليس مجرد مشروع هندسى، بل قصة وطن قرر أن يواجه التحديات بإرادة وعلم وتخطيط. هو شاهد على قدرة المصريين على تحويل النيل من مصدر خوف إلى مصدر أمان، ومن فيضان غامض إلى قوة منظمة تخدم التنمية.

ومع استمرار التحديات الإقليمية والمناخية، يظل السد العالى حجر الزاوية فى معادلة الأمن المائى المصرى، ورمزًا خالدًا لقوة الإرادة الوطنية وحكمة التخطيط.