الخميس 19 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

احتفالات ليلة الرؤية لشهر رمضان فى مصر عبر العصور

على مر العصور تحتفل مصر بقدوم شهر رمضان المبارك حتى أصبح لهذا الشهر الكريم طبيعة خاصة مختلفة عن جميع الدول.. فى هذه الإطلالة صفحة نفحات رمضانية نلقى الضوء على تاريخ وطقوس الاحتفالات المصرية لليلة الرؤية للشهر الفضيل.



يقول الدكتور على جمعة مفتى الجمهورية الأسبق: كانت الاحتفالات فى مصر برؤية هلال رمضان تبدأ فى يوم التاسع والعشرين من شهر شعبان، وكانت احتفالاتٍ كبيرةً على مدى التاريخ الإسلامى، يحضرها وجهاء الناس وكبار رجال الدولة فى العاصمة والمدن الكبرى.

يذكر المؤرخ إبراهيم عنانى - عضو اتحاد المؤرخين العرب - عبر المنصة الرقمية لوزارة الأوقاف أنه فى نحو سنة ١٥٥هـ خرج قاضٍ لرؤية هلال رمضان، وذُكر فى ذلك القاضى أبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة الذى وُلِّى قضاء مصر، ثم تتابع القضاة بعد ذلك على الخروج لاستطلاع الهلال. وقد كانت تُعَدُّ لهم دكَّةٌ على سفح جبل المقطم عُرفت بـ«دكّة القضاة»، يخرجون إليها لاستطلاع الأهلة.

فلما كان العصر الفاطمى، بنى قائدهم بدر الجمالى مسجدًا على سفح المقطم، واتُّخذت مئذنته مرصدًا لرؤية هلال رمضان. كما سنَّ الفاطميون ما يُعرف بـ«موكب رؤية الهلال» (أو موكب أول رمضان)، وهى عادةٌ استمرت فى العصر المملوكى؛ حيث كان قاضى القضاة يخرج لرؤية الهلال، ومعه القضاة الأربعة كشهود، حاملين الشموعَ والفوانيس، ويشترك معهم المحتسب وكبار تجار القاهرة ورؤساء الطوائف والصناعات والحرف.

وفى هذا العصر نُقل مكان الرؤية إلى منارة مدرسة المنصور قلاوون (المدرسة المنصورية) بين القصرين. فإذا تحققت الرؤية أُضيئت الأنوار على الدكاكين والمآذن، وأُضيئت المساجد، ثم يخرج قاضى القضاة فى موكبٍ تحفُّ به جموعُ الناس، حاملةً المشاعلَ والفوانيسَ والشموع، حتى يصل إلى داره، ثم تتفرق الطوائف إلى أحيائها مُعلِنةً الصيام.

أما فى العصر العثمانى، فعاد موضع استطلاع الهلال مرةً أخرى إلى سفح المقطم؛ حيث كان يجتمع القضاة الأربعة وبعض الفقهاء والمحتسب فى المدرسة المنصورية بين القصرين، ثم يركبون جميعًا، يتبعهم أربابُ الحِرف وبعضُ دراويش الصوفية إلى موضعٍ مرتفعٍ بجبل المقطم، حيث يترقبون الهلال. فإذا ثبتت رؤيته عادوا وبين أيديهم المشاعلُ والقناديل إلى المدرسة المنصورية، ويُعلن المحتسب ثبوت رؤية هلال رمضان، ويعود إلى بيته فى موكبٍ حافلٍ يحيط به أربابُ الطرق والحِرف، وسط أنواع المشاعل، فى ليلةٍ مشهودة.

واستمر الأمر كذلك حتى أمر الخديو عباس حلمى الثانى بنقل مكان إثبات رؤية الهلال إلى المحكمة الشرعية بباب الخلق.

ومع إنشاء دار الإفتاء المصرية فى أواخر القرن التاسع عشر، أُسندت إليها مهمة استطلاع هلال رمضان والاحتفال به، وتقوم الدار بهذه المهمة كل عام بعد غروب شمس يوم التاسع والعشرين من شهر شعبان، وذلك من خلال لجانها الشرعية والعلمية المنتشرة فى عددٍ من المواقع والمراصد، مثل: الوادى الجديد، وتوشكى، وسوهاج، وقنا، والبحر الأحمر، ومدينة السادس من أكتوبر، ومرسى مطروح، ومرصد حلوان. ثم تُعلن الدار نتيجة الاستطلاع فى احتفالٍ رسميٍّ كبير يحضره الإمام الأكبر، والمفتون السابقون، ووزير الأوقاف، ومحافظ القاهرة، والوزراء، وسفراء الدول الإسلامية، ورجال القضاء، وغيرهم من رجال الدولة، ويكونون جميعًا فى ضيافة مفتى الديار المصرية.

وقد كان الاحتفال يتم فى سرادق بجوار دار القضاء العالى عندما كان مقر دار الإفتاء فيها، ثم استقلت الدار بمبناها الحالى بالدراسة، وانتقل الاحتفال إلى قاعة المؤتمرات بالدور الأرضى بمبنى الدار، حتى ضاقت بالحضور، فانتقل إلى قاعة المؤتمرات الكبرى بالأزهر الشريف بمدينة نصر - القاهرة، ويُنقل الاحتفال عبر الإذاعات الرسمية المسموعة والمرئية، ويبدأ بتلاوة آياتٍ من القرآن الكريم، ثم يُعلن فضيلة المفتى ثبوت رؤية الهلال، فيكون اليوم التالى غُرَّة الشهر الكريم، أو عدم ثبوته، فيكون اليوم التالى المتمم لشهر شعبان.

فى النهاية تُجسِّد ليلةُ الرؤية فى مصر تقليدًا حضاريًّا ممتدًّا عبر العصور؛ إذ بدأت بخروج القضاة إلى سفح جبل المقطم فيما عُرف بـ«دكّة القضاة»، ثم تطورت فى العصر الفاطمى إلى موكب رسمى مهيب لرؤية الهلال، واستمرت مظاهر الاحتفاء فى العصرين المملوكى والعثمانى بمشاركة القضاة والعلماء وأرباب الحرف، حتى انتقل إثبات الرؤية فى العصر الحديث إلى دار الإفتاء المصرية التى تتولى عبر لجانها الشرعية والعلمية استطلاع الهلال وإعلان النتيجة فى احتفال رسمى يُنقل عبر وسائل الإعلام، ليبقى هذا الحدث شاهدًا على التلاحم الدينى والوطنى فى وجدان المصريين واستقبالهم لشهر رمضان الكريم.