د. سمر عبدالعظيم أستاذ الطب الشرعى بجامعة عين شمس: التقارير الطبية هى الفيصل بين الإدانة والبراءة
نسرين عبد الرحيم
أكدت الدكتورة سمر عبدالعظيم، أستاذ الطب الشرعى والسموم بكلية الطب جامعة عين شمس، أن مهمة الطبيب الشرعى، دقيقة للغاية، مضيفة فى حوارها لـ«روزاليوسف»، أن الدور الحقيقى للطبيب الشرعى لا يقتصر على توثيق الوفاة، بل يمتد إلى قراءة الأدلة البيولوجية الصامتة وتفسيرها علميًا، مشددة على أن العدالة تبدأ حين يلتزم الإنسان مهما كانت مهمته بالدقة، والنزاهة، واحترام القصة التى يتركها كل إنسان خلفه.. وإلى نص الحوار:
■ كيف ترين تطور دور الطب الشرعى فى كشف الحقيقة داخل منظومة العدالة المصرية؟
- شهد الطب الشرعى فى مصر تطورًا ملحوظًا خلال العقود الأخيرة، خاصة مع إدخال تقنيات حديثة مثل تحليل الحمض النووى وتقنيات السموم المتقدمة، والتصوير الإشعاعى، فلم يعد دور الطبيب الشرعى يقتصر على تحديد سبب الوفاة، بل أصبح عنصرًا محوريًا فى إعادة بناء أحداث الجريمة، وتقديم أدلة علمية موضوعية تدعم أو تنفى الاتهامات، وفى كثير من القضايا، كان تقرير الطب الشرعى هو الفيصل بين الإدانة والبراءة.
■ هل هناك حالة معينة جسّدت لكِ الدور الحقيقى للطبيب الشرعى فى تحقيق العدالة؟
- نعم، أتذكر حالة تم فيها تسجيل الوفاة مبدئيًا على أنها وفاة طبيعية نتيجة أزمة قلبية مفاجئة، خاصة فى ظل غياب إصابات واضحة ظاهريًا، لكن الطبيب الشرعى، وبحكم خبرته ومنهجيته العلمية الدقيقة، لاحظ علامات طفيفة جدًا حول منطقة الرقبة وهى تفاصيل قد تمر دون انتباه غير المتخصصين، هذا الاكتشاف دفع إلى استكمال الفحوصات التشريحية والمعملية بشكل أكثر عمقًا، وأظهرت النتائج وجود نزيف دقيق فى الأنسجة العميقة للرقبة، وهو ما لا يتوافق مع الوفاة الطبيعية، بل يشير إلى وجود ضغط خارجى، بناءً على ذلك، تغير التوصيف الطبى للوفاة، وأُعيد توجيه مسار التحقيق بالكامل.
مثل هذه الحالات توضح أن الدور الحقيقى للطبيب الشرعى لا يقتصر على توثيق الوفاة، بل يمتد إلى قراءة الأدلة البيولوجية الصامتة وتفسيرها علميًا، ومن موقعى الاستشارى، أرى أن الطبيب الشرعى يمثل عنصرًا حاسمًا فى منظومة العدالة، لأنه يقدم تفسيرًا علميًا موضوعيًا للأدلة، بعيدًا عن الافتراضات أو الانطباعات، وهذه المسئولية تتطلب دقة علمية عالية، والتزامًا صارمًا بالمنهج، لأن تفاصيل صغيرة جدًا قد تكون هى الفاصل بين الحقيقة والافتراض.
■ ما الفرق بين الصورة الدرامية للطبيب الشرعى فى الأعمال الفنية والحقيقة داخل المشرحة؟
- الصورة الدرامية غالبًا ما تركز على الإثارة والغموض، بينما الحقيقة تعتمد على العمل المنهجى الدقيق، وفى الواقع، الطب الشرعى ليس قائمًا على الحدس، بل على الملاحظة العلمية، والتحليل، والتوثيق، فمعظم الوقت يُقضى فى الفحص الدقيق، ومراجعة الأدلة، وإجراء التحاليل، وليس فى لحظات الكشف المفاجئة التى تصورها الدراما.
■ ما أصعب القضايا التى تتعاملين معها طبيًا وإنسانيًا؟
- أصعب الحالات هى التى تشمل الأطفال، أو حالات العنف الأسرى، فالصعوبة لا تكون فقط علمية، بل إنسانية أيضًا، لأن الطبيب الشرعى يتعامل مع الأدلة، لكنه لا ينفصل عن كونه إنسانًا يدرك حجم الألم الإنسانى المرتبط بكل حالة.
■ ماذا يحدث منذ لحظة وصول الجثمان إلى المشرحة وحتى كتابة التقرير النهائى؟
- تمر العملية بعدة مراحل منهجية، هى التوثيق الكامل للحالة كما وردت من جهات التحقيق، ثم الفحص الظاهرى لتحديد الإصابات والعلامات الخارجية، والتشريح الداخلى لفحص الأعضاء وتحديد الإصابات الداخلية، علاوة على أخذ عينات للتحاليل المعملية مثل السموم والأنسجة، وتحليل النتائج وربطها بالمعطيات الجنائية، وفى النهاية كتابة التقرير النهائى بلغة علمية دقيقة.
■ هل يمكن أن يخطئ تقرير الطب الشرعى؟ وكيف يتم ضمان الدقة؟
- الطب الشرعى علم قائم على الأدلة، واحتمالية الخطأ تقل بشكل كبير عند الالتزام بالبروتوكولات العلمية، ويتم ضمان الدقة من خلال استخدام وسائل تحليل معتمدة علميًا، ومراجعة النتائج معمليًا، والاعتماد على أكثر من مؤشر علمى، وأحيانًا مراجعة الحالة بواسطة أكثر من خبير.
■ ما المعايير التى يعتمد عليها الطبيب الشرعى لتحديد زمن الوفاة؟
- يعتمد تحديد زمن الوفاة على مجموعة من المؤشرات البيولوجية، منها درجة حرارة الجسم، والتيبس الرمى، والرسوب الدموى، مراحل التحلل، ونتائج التحاليل الكيميائية الحيوية، ولا يعتمد الطبيب الشرعى على مؤشر واحد فقط، بل على التقييم الشامل لكل المؤشرات.
■ كيف يتم التفريق بين الوفاة الطبيعية والجنائية فى الحالات الملتبسة؟
- يتم ذلك من خلال تحليل الإصابات، وفحص الأعضاء الداخلية، وربط النتائج بالسياق الجنائى والتاريخ المرضى، وأحيانًا تكون التفاصيل الدقيقة مثل نوع الكسر أو نمط النزيف، هى المفتاح لفهم سبب الوفاة.
■ كيف تتعاملين نفسيًا مع الحالات الصعبة؟
- التعامل المهنى يتطلب التوازن بين التعاطف والانضباط العلمى، ومع الوقت، يطور الطبيب الشرعى قدرته على الفصل بين الجانب المهنى والعاطفى، مع الاحتفاظ بالإنسانية اللازمة لاحترام كرامة المتوفى.
■ هل يؤثر عملك على حياتك الشخصة؟
- نعم، يجعل الإنسان أكثر إدراكًا لقيمة الحياة، وأكثر وعيًا بهشاشتها، كما يعزز الإحساس بالمسئولية تجاه الحقيقة والعدالة.
■ هل تغيرت أنماط الجرائم فى السنوات الأخيرة؟
- نعم، أصبحت الجرائم أكثر تعقيدًا، مع استخدام مواد يصعب اكتشافها، ومحاولات لإخفاء الأدلة بطرق متقدمة.
■ ما التحديات التى واجهتك كسيدة فى هذا المجال؟
- التحدى الأكبر كان إثبات القدرة العلمية والمهنية فى مجال يتطلب قوة نفسية ودقة علمية، ومع الوقت أثبتُ كفاءتى رغم صعوبة التخصص لكن هناك زيادة ملحوظة فى اهتمام الطالبات بهذا المجال، وهو أمر إيجابى.
■ بعد سنوات طويلة فى المشرحة.. ماذا علّمتكِ المهنة عن الحياة والموت؟
- علمتنى هذه المهنة أن الحقيقة لا تختفى، بل قد تتأخر فقط فى الظهور، الجسد يحتفظ بقصته، والعلم يمنحنا الأدوات لفهمها، ومع الوقت، أدركت أن الطب الشرعى ليس مجرد تخصص طبى، بل هو شهادة علمية على اللحظة الأخيرة من حياة الإنسان، ومحاولة لاستعادة صوته حين يعجز عن الكلام.
هذه الخبرة لم تبقَ حبيسة جدران المشرحة، بل وجدت طريقها إلى أعمالى الأدبية، ومنها رواية «محاكمة لورين: سقوط السيدة المختارة» ورواية «عابرون»، حاولت أن أنقل الحقيقة الإنسانية والنفسية التى تقف خلف التقارير الطبية الجامدة، فالتقرير العلمى يوثق كيف مات الإنسان، لكن الأدب يحاول أن يفهم لماذا عاش كما عاش، ولماذا انتهت قصته بهذه الطريقة
■ كيف تصفين فلسفتكِ الخاصة تجاه الموت؟
- الموت، كما رأيته من خلال الطب الشرعى، ليس مجرد نهاية بيولوجية، بل لحظة انتقال من الوجود الصامت إلى الحقيقة المطلقة، فى الحياة، يمكن للإنسان أن يُخفى، أن يُنكر، أن يُزيّف، أما بعد الموت، فلا يبقى إلا الصدق، الجسد لا يعرف الكذب كل خلية، كل إصابة، كل أثر، هو شهادة صامتة تنتظر من يقرأها.
مع الوقت، أدركت أن دورى ليس التعامل مع الموت، بل التعامل مع ما تبقّى من الحقيقة بعده، فالطبيب الشرعى لا يبحث عن الموت، بل يبحث عن القصة التى توقفت فجأة، وهذا غيّر نظرتى للحياة نفسها، جعلنى أكثر وعيًا بقيمتها، وأكثر اقتناعًا بأن ما يبقى فى النهاية ليس ما نملكه، بل ما نتركه من أثر.
هذه الفلسفة انعكست أيضًا فى كتاباتى، خاصة فى «ميت مطلوب للشهادة»، حيث يصبح الموت ليس نهاية الشخصية، بل بداية كشف حقيقتها، بالنسبة لى، الموت لا يُنهى القصة، بل يُجبر الحقيقة على الظهور.. فى النهاية، تعلمت أن الموت هو أكثر اللحظات عدالة.. وأن الطب الشرعى ليس علم الموت، بل علم الحقيقة.. وأن العدالة تبدأ حين يلتزم الإنسان مهما كانت مهمته بالدقة، والنزاهة، واحترام القصة التى يتركها كل إنسان خلفه.










