الأربعاء 11 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

من رئيس السلام إلى الغضب الملحمى

طريق ترامب إلى الحرب

فى عام 2003، غزت الولايات المتحدة العراق وكرست واشنطن جهودا جبارة للتخطيط للغزو، ولم تعر أى اهتمام يذكر للسؤال الأهم: هل كانت الحرب ضرورية، وهل يمكن أن تؤدى واقعيا إلى استقرار سياسي؟، وكانت النتيجة مأساة للعراق والشرق الأوسط وأمريكا.



والآن، يعيد التاريخ نفسه، فبعد أن مزق الرئيس الامريكى الاتفاق النووى الإيرانى وصعد الضغط، شن حملة عسكرية تهدف صراحة إلى إسقاط النظام، ولم يجر أى تقييم جاد للمخاطر، ناهيك عن مدى معقولية النتيجة السياسية التى يدعى السعى إليها.

وأوضحت صحيفة «الجارديان» البريطانية  فى مقال لكريستوفر إس تشيفيس، زميل بارز ومدير برنامج الحكم الأمريكى فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى،  أن سياسة ترامب الخارجية لا تستند إلى نظرية متماسكة للنظام أو الردع أو إدارة التحالفات، بل هى مدفوعة بإظهار الهيمنة، وخلق الاستعراض، والسيطرة على وسائل الإعلام.

ويأتى تصعيده ضد إيران فى ظل ضغوط داخلية متزايدة، بسبب انتهاكه للحقوق المدنية لمواطنين أمريكيين فى مينيابوليس، ووسط تدقيق متجدد حول ملفات إبستين، وبعد أيام فقط من إلغاء المحكمة العليا الأمريكية للتبرير القانونى لسياسته الجمركية العالمية، فى هذا السياق، تعد الضربات بمثابة «حرب تضليل» كلاسيكية، ومحاولة للسيطرة على الخطاب العالمى وإغراق الفضائح الداخلية بدوى صواريخ كروز.

وفى هذا المسعى، يستغل ترامب ببراعة التيارات السياسية الأمريكية التى انزلقت نحو المواجهة. فهو يعلم أن قصف طهران لا يزال مبدأً راسخ لدى الجمهوريين، الذين يعتبرون «الضغط الأقصى» هو الضغط الوحيد المقبول تجاه إيران، ومن خلال تصوير التصعيد كرد فعل على خصم قمعى فريد من نوعه، نجح ترامب فى تحييد جزء كبير من المعارضة الداخلية التى كان من الممكن أن تحد من التسرع فى الحرب.

على عكس ما حدث عام ٢٠٠٣، حين شكلت الولايات المتحدة «تحالف الراغبين» رغم الجدل العميق، فإن أوروبا وحلفاءها التقليديين الآخرين يقفون حتى الآن على الحياد. هذا العزل الدبلوماسى ملحوظ، وله تكلفة استراتيجية باهظة على أمريكا، إذ يعمق الانقسام الذى أحدثه ترامب بالفعل بتهديده جرينلاند، وفرضه تعريفات جمركية عشوائية، وخلقه حالة من عدم اليقين فى العالم.

قدم نظام ترامب سلسلة من المبررات العلنية للحرب، تتراوح بين تخصيب إيران لليورانيوم سرا لصنع قنابل نووية، ما يشكل تهديدا وجوديا لإسرائيل، ومساعدة الإيرانيين على الإطاحة بنظام استبدادى، وبالتالى، يشكلون تهديدا وشيكا للولايات المتحدة، ولكن تظهر الأحداث بوضوح أن المبررات التى قدمها ترامب ونتنياهو بعيدة كل البعد عن الحقيقة، وأن لديهما دوافع خفية أخرى لشنها.

وهناك ثلاثة أسباب رئيسية تفسر الحماس الشديد الذى أبداه نتنياهو وترامب فى شن حرب شاملة على إيران:

انتخابات وشيكة وسط اتهامات بالفساد

يواجه كل من نتنياهو وترامب انتخابات، ويشهد كلاهما تراجعا فى شعبيتهما بسبب اتهامات خطيرة بالفساد، قبل أيام فقط من شن الضربة على إيران، مثل نتنياهو أمام محكمة تل أبيب، وسط انقسامات عميقة فى إسرائيل حول طلب نتنياهو الرسمى للعفو من الرئيس إسحاق هرتسوج.

وبالمثل، يواجه الرئيس ترامب سلسلة من الصفقات المشبوهة خلال ولايته الحالية كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية.

ملفات إبستين المشبوهة

إن الكشف التدريجى عن ملفات إبستين سيئة السمعة يقوض ثقة الجمهور بهؤلاء القادة، ففي 24 فبراير، قبل أربعة أيام فقط من انضمام الرئيس ترامب إلى الحرب ضد إيران، كشفت الإذاعة الوطنية العامة، وهى منظمة إعلامية أمريكية مستقلة غير ربحية، أن وزارة العدل الأمريكية حجبت بعض ملفات إبستين المتعلقة بادعاءات تحرش الرئيس ترامب جنسيا بقاصر، وزعمت الإذاعة أن وزارة العدل حذفت أيضا بعض الوثائق من قاعدة البيانات العامة، والتى تضمنت اتهامات ضد إبستين تشير إلى ترامب.

قد يبدو هذا الآن مجرد تكهنات أو نظريات مؤامرة، لكن ثمة احتمالًا متزايد بأن ترامب أُجبر على الانضمام إلى الحرب ضد إيران لتعزيز طموحات إسرائيل للهيمنة فى غرب آسيا. ويكمن مفتاح هذا اللغز مجددا فى ملفات إبستين، حيث تشير العديد من الوثائق التى نشرت حتى الآن إلى أن إبستين كان جاسوس مدرب للموساد.

وتثير الروابط المحتملة بين إبستين والموساد تكهنات بأن إسرائيل تمتلك تسجيلات صوتية وصور وسجلات مكالمات تورط العديد من قادة العالم، مثل الرئيس ترامب وعددٍ من كبار المسئولين الأمريكيين، مما يجعل ترامب مجبر على خوض الحرب الإسرائيلية ضد إيران.

تراجع شعبيته

ووفقا لمجلة الإيكونوميست، فقد تراجعت شعبية الرئيس ترامب بشكلٍ حاد، لكن الخبراء يجمعون على أن تحقيق نتيجة سريعة مع عدد قليل من الضحايا الأمريكيين يمكن أن يساعد ترامب على قلب الموازين وكسب تأييد الرأى العام خلال انتخابات التجديد النصفى فى نوفمبر من هذا العام.

ميدانيا، قدم ترامب وكبار مساعديه سلسلة من المبررات المتضاربة للهجوم، وعجزوا عن تحديد هدف نهائى أو جدول زمنى لمدى استمرار الصراع، ومع الاحتمال الكبير لتفاقم الحرب، فقد بلغ استياء الشعب الأمريكى حد لا يطاق.

وأظهر استطلاع رأى أجرته رويترز/إيبسوس أن 27% فقط أيدوا الضربات، بينما عارضها 43%، وقال 29% إنهم غير متأكدين. أظهر استطلاع للرأى أن أكثر من نصف الجمهوريين المستطلعة آراؤهم أيدوا الهجوم، لكن 42% منهم قالوا إنهم سيقللون من تأييدهم للحرب إذا أسفرت عن مقتل أو إصابة جنود أمريكيين فى الشرق الأوسط. كما قال 45% من المستطلعة آراؤهم إنهم سيقللون من تأييدهم للحرب إذا ارتفعت أسعار الغاز والنفط فى الولايات المتحدة، بينما قال 62% إنه بحاجة إلى الحصول على موافقة الكونجرس لأى عمل عسكرى إضافي.