سعيد عبد الحافظ
التاريخ الأسود للحركة الحقوقية فى مصر
«يولد جميع الناس أحرارًا ومتساوين فى الكرامة والحقوق، وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضًا بروح الإخاء»، هذه هى المادة الأولى من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان الصادر من الأمم المتحدة عام 1948، إذن حقوق الإنسان ليست شرًا مطلقًا كما يعتقد البعض، وكانت ومازالت الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان إحدى أهم أدوات ضمان تمتع الفرد بحقوقه الطبيعية التى التصقت به منذ ميلاده، وقد شاركت مصر فى لجنة صياغة الإعلان عبر مندوبها فى الأمم المتحدة فى ذلك الوقت السفير محمود عزمى، ولاشك أيضًا أن الحركة الحقوقية فى أوروبا والولايات المتحدة بدأت مبكرًا عن مصر بسبب الظروف السياسية التى كانت تعيشها مصر، إما بسبب الاحتلال البريطانى أو انشغال الرئيس جمال عبدالناصر بمحاولة إعادة بناء الدولة فى الستينيات والسبعينيات.
على أية حال ظلت مصادقة مصر على الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان مؤجلة إلى أن أنهت معركتها مع إسرائيل وإتمام عملية السلام، وعندما بدأ الاستقرار النسبى للدولة المصرية فى نهاية الثمانينيات بدأت مصر بالتصديق تباعًا على الاتفاقيات المعنية بضمان الدولة لحقوق الإنسان المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية على السواء.
فى العام 1983 كانت مصر على موعد مع تأسيس أول منظمة عربية لحقوق الإنسان بدعوة من قيادات الفكر القومى واليسارى فى ذلك الوقت يأتى فى مقدمتهم محمد فايق رئيس المجلس القومى لحقوق الإنسان حاليًا، والدكتور سعدالدين إبراهيم، والراحل الدكتور يحيى الجمل، وغيرهم من القوميين واليساريين وعقد المؤسسون المؤتمر التأسيسى للمنظمة فى مدينة ليما سول بقبرص، واتخذت من القاهرة مقرًا رئيسيًا لها وعقب التأسيس مباشرة تأسست منظمات وطنية فى بلاد عربية معنية بحقوق الإنسان منها «الجمعية الكويتية لحقوق الإنسان» ١٩٨٣، وفى السودان «المنظمة السودانية لحقوق الإنسان» ١٩٨٤، وفى الجزائر «الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان» ١٩٨٤، وفى مصر «المنظمة المصرية لحقوق الإنسان» ١٩٨٥، وفى لبنان «الجمعية اللبنانية لحقوق الإنسان» ١٩٨٥.
بتأسيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان التى ترأسها الراحل محمد إبراهيم كامل وزير الخارجية الأسبق وضم مجلس أمنائها أغلبية من قيادات اليسار والناصريين، كانت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان فرصة حقيقية لظهور جيل ثان من الحقوقيين بعيدًا عن سطوة وكاريزما جيل الرواد، وكان أبرزهم فى ذلك الوقت بهى الدين حسن، ونجاد البرعى.
من داخل شقة متواضعة بميدان أسوان وهو المقر الرئيسى للمنظمة العربية الذى تبرعت الشاعرة الكويتية سعاد الصباح بتكلفته، اتخذت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان غرفة لممارسة عملها، تلك هى البداية والتى يتضح منها أن ميلاد الحركة الحقوقية فى مصر كان من رحم السياسة، وأن السياسيين كانوا القابلة التى أخرجت الحركة الحقوقية إلى النور، وقد ولدت الحركة الحقوقية وهى تحمل فى جيناتها أمراض السياسة بكل مظاهرها من شللية وانحياز البعض لفصيل معين على حساب فصيل آخر والتخوين والتآمر وحب الظهور وتغليب المصلحة الشخصية على المصلحة العامة وغيرها من أمراض السياسة الشائعة، وأنا هنا لا أتهم أشخاصًا بعينهم ولكنى أوصف حركة نشأت فى سياق سياسى إقليمى ومحلى مرتبك، فمن ناحية الحرب الأهلية فى لبنان على أشدها والصراع فى السودان بين الجنوب والشمال، فضلاً عن توتر الوضع الداخلى فى مصر بسبب المعارك الدائرة بين الدولة والجماعات الدينية المسلحة عقب اغتيال السادات، كل هذه الأمور دفعت المنشغلين والمشتغلين بالسياسة للبحث عن نافذة للعمل العام بعيدا عن الصراعات السياسة الدائرة من ناحية وبعيدًا عن القوانين التى كانت تفرض بعض القيود على ممارسة العمل السياسى والعام بحرية من ناحية أخرى.
إلا أن المسألة الحاسمة فى اختلاط الحركة الحقوقية بالسياسة ومنذ النشأة أيضًا هو أن الدعوى لحركات حقوقية فى أمريكا وأوروبا كان غرضها الأساسى بل والوحيد هو تقويض الشيوعية والقضاء عليها حيث إن حقوق الإنسان تتعارض مع الفكر الشمولى الذى تتبناه الدول الشيوعية فى ذلك الوقت، وهو ما سأحاول تفسيره فى المقالات القادمة، لماذا كان اليسار المصرى والشيوعيون المصريون هم أشد المتحمسين للعمل بالمنظمة المصرية لحقوق الإنسان ثم تأسيسهم لمراكزهم الخاصة رغم أن مفهوم حقوق الإنسان يقوم على حرية الفرد وتمتعه بحقوقه الشخصية وهو المبدأ الذى ترفضه الشيوعية تمامًا.










