سعيد عبد الحافظ
الحركة الحقوقية فى مصر (16)
لا شك أن مراقبة الانتخابات تعد واحدة من أهم الوسائل التى قام بها المجتمع الدولى لضمان إجراء انتخابات حرة ونزيهة.
فالمجتمع الدولى لا يقر بمشروعية الانتخابات التى تعتريها ثمة عيوب تنتقص من نزاهة تلك الانتخابات ومصداقيتها، فالمراقبة تحقق إجراء انتخابات تتسم بالحرية والنزاهة، وتدعم ثقة الناخبين فى العملية الانتخابية.
وظهرت الرقابة الدولية على الانتخابات خلال دور الأمم المتحدة فى إرسال بعثاتها ومراقبيها لمتابعة سير العملية الانتخابية فى بعض دول العالم، وكان ذلك يتم ضمن برنامجها فى مساعدة الشعوب المستعمرة فى الحصول على استقلالها.
وساعدت عدة عوامل على اكتساب الرقابة على الانتخابات اهتمامًا واسعًا لعل أهم تلك العوامل التحولات التى حصلت فى النظام الدولى عقب انتهاء الحرب الباردة والتى هيأت المناخ للمنظمات غير الحكومية أن تتجه لدعم العمليات الديمقراطية فى العديد من دول العالم.
واهتمام الولايات المتحدة بدعم عمليات التحول الديمقراطى فى دول العالم الثالث, وبهذا المعنى فإن الرقابة الدولية تهدف إلى تحقيق انتخابات حرة ونزيهة من خلال إرسال البعثات المختلفة للإشراف والرقابة على سير العملية الانتخابية، ومتابعة تفاصيل تلك العمليات فى الدول المختلفة, ويشترط لإعمال الرقابة الدولية على الانتخابات توفر شرطين، هما أن تتقدم الدولة بطلب إلى الأمم المتحدة لإرسال بعثة لمراقبة الانتخابات فيها، والثانى أن يكون هناك توافق ورضاء شعبى على تلك الرقابة, وطبقا لهذا المفهوم فإن مطالبة بعض القوى المتطرفة فى مصر لرقابة دولية على الانتخابات هى دعوى جاهلة تصدرها تيارات جاهلة بمفهوم وطبيعة الرقابة الدولية على الانتخابات.
والآن ماذا عن مراقبة الانتخابات فى مصر؟ لقد بدأت أول مراقبة لعملية انتخابية فى مصر عام 1995، وهى الانتخابات التشريعية فى ذلك الوقت، وكانت الدعوة لمراقبتها من الدكتور سعدالدين إبراهيم، وفى إطار تحالف ضم مركز بن خلدون والمنظمة المصرية لحقوق الإنسان, ومركز المساعدة القانونية لحقوق الإنسان, ومركز المحروسة للنشر, وهى تجربة يمكن اعتبارها تجربة متواضعة نظرًا لعدم خبرة تلك المنظمات فى عمليات سابقة لمراقبة الانتخابات، وعدم وجود مراقبين مدربين على آليات المراقبة ومعايير النزاهة والشفافية للعملية الانتخابية، لكنها تجربة أسهمت فى إرساء قواعد قيام المجتمع المدنى فى مصر، بمتابعة عن قرب للعملية الانتخابية ومن ثم إصدار تقارير بنتائج عملية المراقبة.
وأصدرت المنظمة حينها تقريرها بنتائج المراقبة عنونته بالديمقراطية فى مصر خطوات للخلف ثم أعقبته بتقرير آخر أعده ووثقه كاتب المقال تحت عنوان «الديمقراطية فى مصر المصير المجهول» وصدر عام 1995، وفيه تم توثيق حصرى لجميع الطعون الانتخابية على الانتخابات التشريعية 1995 أمام محكمة القضاء الإدارى ومحكمة النقض.
وفى عام 1997 راقبت المنظمة المصرية منفردة انتخابات المحليات فى ذلك الوقت وأصدرت تقريرها الذى حرره الدكتور محمد الغمرى وفى الانتخابات التشريعية 2000 عزفت المنظمات الحقوقية عن المراقبة بعد صدام مع وزارة الداخلية وأجهزة الدولة التى رفضت الاعتراف بشرعية المنظمات الحقوقية بالمراقبة على الانتخابات، واستطاعت المنظمة المصرية وحدها أن تراقب العملية الانتخابية فى 22 دائرة انتخابية من إجمالى عدد الدوائر والذى كان يبلغ فى ذلك الوقت 222 دائرة ويخرج سعدالدين إبراهيم من السجن، ويجمع حوله عدد من المنظمات الشابة وحديثة العهد بالعمل الحقوقى ليراقب انتخابات 2005، ويصل عدد المنظمات التى تولت الرقابة على الانتخابات 35 منظمة حقوقية، ولا يوجد تفسير لزيادة عدد المنظمات سوى أن الجهات المانحة قد رصدت ملايين الدولارات، كمنح لتلك المنظمات لاسيما أن الانتخابات التشريعية 2005 تزامنت مع دعاوى الإصلاح التى أطلقتها الولايات المتحدة الأمريكية فى ذلك، ليستمر تدفق التمويل وتزيد المعونة الأمريكية لمراقبة جميع أنواع الانتخابات حتى أن المعونة رصدت ملايين الدولارات لمراقبة الانتخابات المحلية فى 2007، وانتخابات مجلس الشورى 2008.
رغم أن الانتخابات المحلية وانتخابات مجلس الشورى كانت تحسم بالتزكية بنسبة تقترب من 49% لصالح مرشحى الحزب الوطنى فى ذلك الوقت!! وفى الانتخابات التشريعية لم تكن هناك منظمة حقوقية فى مصر بعيدة عن طلب التمويل لمراقبة الانتخابات التشريعية 2010، وزاد على ذلك أن اشتركت منظمة فريدوم هاوس مع جمعية التنمية الإنسانية ومؤسسة عالم واحد فى مشروع مشترك لمراقبة الانتخابات!! ما يعنينى هنا هو لماذا دفعت المنظمات الدولية والجهات المانحة ملايين الدولارات للمنظمات المصرية لمراقبة الانتخابات التشريعية فى عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك، وهى انتخابات كان معلومًا أن الحزب الوطنى يسطر على نتائجها فى حين أن تلك الجهات المانحة عزفت بل امتنعت عن تمويل المنظمات الحقوقى لمراقبة الانتخابات بعد ثورة 25 يناير؟، إنها لعبة المصالح حيث لم تكن تريد تلك المنظمات سوى تقارير تلك المنظمات فى عهد الرئيس الأسبق مبارك لممارسة ضغط سياسى على الإدارة المصرية فى ذلك الوقت بحجة أن الانتخابات شابها تزوير ومخالفات، والأمر الثانى رغم مرور هذه السنوات، لماذا لم تستطع تلك المنظمات المهتمة بالمراقبة فى تنسيق العمل فيما بينها، لإصدار تقارير نوعية ورأسية ومتخصصة بدلاً من فوضى التقارير المتعلقة بالانتخابات، والتى كانت تستهدف رضاء الجهة المانحة أكثر ما تستهدف إصلاح المنظومة الانتخابية والسؤال الكبير لماذا توقفت المنظمات الحقوقية عن المراقبة بتوقف التمويل، وأين ذهب الآلاف المراقبين والمتطوعين التى ربتهم المنظمات طوال السنوات السابقة، وماذا فعلت المنظمات لإيجاد فرص بديلة لمتابعة الانتخابات بعيدًا عن المراقبة مدفوعة الأجر؟ فى ظنى أن انتخابات 2018 سيكون لديها إجابات كثيرة عن هذه الأسئلة.










