سعيد عبد الحافظ
ماذا بعد تقرير الـ«ووتش» المسيس؟
لا يزال المصريون بمختلف طوائفهم وانتماءاتهم على قلب رجل واحد بعد أن وحدهم تقرير منظمة هيومان رايتس ووتش، ولا نستطيع أن ننكر أن ردود الأفعال على هذا التقرير تختلف عن موقف المصريين من تقارير مماثلة صدرت من قبل عن هذه المنظمة المنحازة.
ولا شك أن عوامل عدة ساهمت فى استنفار كل هذه المؤسسات سواء الرسمية منها أو شبه الرسمية أو حتى الكيانات غير الحكومية، لعل أهمها توقيت التقرير حيث أدرك المصريون بوعيهم الفطرى أن توقيت التقرير جاء للانتقام المباشر والصريح من الدولة المصرية، وهى تشارك من خلال رئيسها فى قمة العظماء «بريكس» بالصين، ومما جعل لتوقيت اصدار التقرير موضع اعتبار لدى الشعب المصرى هو قرار الكونجرس الأمريكى بعد 48 ساعة فقط بحجب 300 مليون دولار من المعونة العسكرية التى تقدمها الولايات المتحدة سنويًا لمصر، كما أن اصدار لجنة مناهضة التعذيب تقريرها السنوى وتخصيص 3 صفحات عن التعذيب فى مصر بعد يومين فقط من تقرير الووتش.
إذن هى ليست مصادفة ولكنها أمور دبرت بعناية وفى توقيت متزامن يثير الانتباه، ومما ساهم فى استنفار الشعب المصرى أنه سمع وشاهد منظمات مصرية خارجة عن السرب الوطنى تدافع عن التقرير المسيس، وتحتفى به بل تروج له على صفحات التواصل الاجتماعى، ولست مع الرأى القائل أن الأمر بدأ وكأن الدولة المصرية بكل تاريخها وحضارتها تواجه وترد على تقرير تافه لا يستحق.
نعم التقرير سطحى ومرسل وتافه وخالٍ من ثمة دليل يوثق المزاعم التى جاءت به، ولكن فى واقع الأمر الدولة المصرية لم تواجه أبدًا تلك المنظمة لأن ردها الرسمى تمثل فقط فى بيان وزارة الخارجية، وجاء مقتضبًا وفندت فيه الخارجية عدم حياد المنظمة وانحيازها السياسى.
بينما قامت المنظمات الحقوقية الوطنية بالرد على التقرير وتفنيد بواعثه، ومن جانبها عقدت الهيئة الوطنية للصحافة اجتماعها، وأعلنت رفضها للتقرير جملة وتفصيلاً، فيما قامت لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب بالدعوة لاجتماع طارئ بحضور رئيس الهيئة للاستعلامات ورئيس المجلس القومى لحقوق الإنسان ومساعد وزير الخارجية، وقامت اللجنة بتوجيه الدعوة لنحو 30 منظمة حقوقية للتشاور فى آليات التحرك والمواجهة فى المستقبل.
وأعدت اللجنة خطة لزيارات خارجية بالولايات المتحدة وأوروبا لشرح حقيقة الأوضاع، ولم تتقاعس الهيئة العامة للاستعلامات، فبادر رئيسها باصدار بيان فند فيه المنهجية البائسة لتقرير الووتش، وأعلنت الهيئة بيانها فى حضور ممثلين للصحافة الأجنبية والمحلية.
ومازالت تداعيات التقرير الذى اصدرته الووتش والذى يشبه أحد السيناريوهات لفيلم هابط يلهث صُناعه وراء الربح السريع مستمرة، لكن فى ظنى أن كل ردود الأفعال هذه والتى نددت ولا تزال بما جاء بالتقرير من مزاعم لا تكفى للتعامل مع مثل هذه التقارير، لأن الووتش وغيرها لن يتوقفوا عن اصدار مثل هذا التقرير.
إذن نحن نحتاج إلى العمل المحترف والمهنى والموضوعى فى التعامل مع مشكلاتنا ذات الصلة بحقوق الإنسان، نحن نحتاج لرصد وتوثيق محايد ومجرد من قبل المنظمات المصرية الوطنية دون تهويل أو تهوين، منظمات ترى بعينيها لا بعين واحدة، منظمات تنحاز لصالح المواطن وليس لمصلحة الجهة المانحة ومن يقف وراءها، وأخيرًا نحتاج إلى مخاطبة المجتمع الدولى والمنظمات العالمية والإقليمية باللغة التى يفهمونها، لاسيما أن لغة حقوق الإنسان لغة عالمية تدخل العقل طالما كانت عباراتها تفوح منها رائحة الصدق والنزاهة.










