سعيد عبد الحافظ
«المقاطعة» وتحولات المعارضة من المخالفة إلى المناكفة
تعد المعارضة أحد أهم مظاهر المجتمع الديمقراطى القائم على ثنائية أغلبية تحكم وأقلية تراقب وتنتقد وتطرح رؤى وأفكار بديلة، ويتوحد هدف الأغلبية والمعارضة فى تحقيق التنمية الشاملة والرفاهية للمواطنين، ولا تختفى المعارضة السياسية إلا فى المجتمعات الشمولية التى لا يؤمن نظامها السياسى بالتعددية والاختلاف، ويضيق دستورها وقانونها بحق المعارضة فى الوجود.
مصر كانت من أولى الدول التى عرفت المعارضة السياسية، وهى المعارضة التى توحدت مع الأحزاب الحاكمة لمقاومة الاحتلال البريطانى، ولا يمكن أن ننكر أن الفترة من 1919حتى عام 1952 شهدت تجربة رائدة فى تبادل الأدوار فى الحكم بين الأحزاب، والخلاف السياسى القائم على برامج حزبية وقواعد جماهيرية وبقيام ثورة يوليو 1952 أجهضت الحياة السياسية، ثم عادت مع نهاية السبعينيات ودون الخوض فى تفاصيل وأسباب ذلك.
كانت ثورة يناير 2011 أحد أهم أسباب ظهور نوع جديد من المعارضة لم نكتشف حقيقته وطبيعته إلا منذ أيام قلية، عندما اكتشف الرأى العام أن الإيمان بفكرة الدولة ومفهومها قد تراجع، وأن هناك معارضة تبحث عن الفوضى بل وتحث عليها، معارضة بات كل همها مناكفة النظام السياسى من أجل المناكفة وليس من أجل الصالح العام، وترى أنه من قبيل الهوان أن تتحدث عن الإيجابيات أو تتحد مع الأغلبية إذا كان هناك خطر داهم على الدولة ومؤسساتها.
ظهر ذلك جليًا فى دعوات تكتل «25/30» المعارض داخل البرلمان، وما يسمى بالتحالف المدنى الديمقراطى المكون من 7 أحزاب، أنهم يمهدون التربة لغرس بذرة الإخوان المسلمين من جديد ويعطون التنظيم الإرهابى قبلة الحياة، ويرددون نفس اتهامات التنظيم للدولة المصرية ومؤسساتها ودعوتهم الدائمة للفوضى من جديد.. لم يفهم أو يتفهم المواطن المصرى التوقيت المريب لصدور هذه البيانات، ولا من تخاطب وما جدواها وما سر تلك التحالفات المريبة بينهم الآن، وأين كانت هذه المعارضة طوال السنوات الماضية من قضايا حيوية مرت بها البلاد؟ وما تأثير تلك الأحزاب فى الشارع حتى تطالب المواطنين بمقاطعة الانتخابات؟ وما جدوى المقاطعة؟ ولماذا تركز على النيل من سلطات الدولة الثلاث وتوجه إليها الاتهامات المباشرة؟ ولماذا تختزل المعارضة حربها فى محاولة إفشال الانتخابات الرئاسية ودعوة المواطنين وتحريضهم على النزول للشارع؟
فى ظنى أن المعارضة المصرية أوصلها فشلها السياسى لأن تنتحر على مشهد من العالم وأمام وسائل الإعلام التى كانت سبب فى شهرتها، واليوم تودعها إلى غياهب الماضى لتصبح ذكرى سيئة فى نفوس المصريين، وهو ما يتطلب الآن العمل على البحث عن نخبة جديدة تؤمن بأهمية الدولة ودورها وعلاقتها بمواطنيها، نخبة مثقفة ليس لها أوهام مع النخبة الحاكمة بل نخبة واثقة من قدرتها وأفكارها السياسية وطموحها للوصول للسلطة عبر صناديق الانتخاب لتنفيذ برامجها ورؤيتها بعيدًا عن معارضة الصراخ والبيانات والمؤتمرات الصحفية التى تشبه الجعجعة بلا طحن.










